إلا منه ومن الحديث الذي هو في غالب موارده تفسير له وشرح . قال صلى اللّه عليه وسلم : تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما : كتاب اللّه وسنتي .
فلما بعد النقل من لدن دولة الرشيد فيما بعداحتيج إلى وضع التفاسير القرآنية وتقييد الحديث مخافة ضياعه . ثم احتيج إلى معرفة الأسانيد وتعديل الرواة للتمييز بين الصحيح من الإسناد وما دونهثم كثر استخراج أحكام الوقائع من الكتاب والسنة . وفسد مع ذلك اللسانفاحتج إلى وضع القوانين النحوية وصارت العلوم حضرية . . وبعد الحرب عنها وعن سوقها . والحضر لذلك العهد هم العجم أو من في معناهم من الموالى وأهل الحواضر الذين هم يومئذ تبع للعجم في الحضارة وأحوالها من الصنائع والحرفلأنهم أقوم على ذلك للحضارة الراسخة فيهم منذ دولة الفرس . فكان صاحب صناعة النحو سيبوية [ والزجاج ] والفارسي ( 377 ه ) من بعده والزجاج « 1 » ( 311 ه ) من بعدهما . وكلهم عجم في أنسابهم . وإنما ربوا في اللسان العربي فاكتسبوه بالمربى ( النشأة والتربية ) ومخالطة العربو صيروه قوانين وفنا لمن بعدهم . وكذلك حملة الحديث الدين حفظوه على أهل الإسلام أكثرهم عجم أو مستعجمون باللغة والمربىلاتساع الفن بالعراق وما بعده . وكان علماء أصول الفقه كلهم عجم كما نعرفو كذا جملة علماء الكلام أو كذا أكثر المفسرين . ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلا الأعاجم . فظهر مصداق قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لو تعلق العلم بأعناق السماء لناله قوم من فارس » . وأما العرب الذين أدركوا هذه الحضارة وسوقها وخرجوا إليها عن البداوةفشغلتهم الرياسة في الدولة العباسيةو ما دفعوا إليه من القيام بالملك عن القيام بالعلم والنظر فيه فإنهم كانوا أهل الدولة وحاميتها وأولى سياستهامع ما يلحقهم من الأنفة في انتحال العلم حينئذ بما صار من جملة الصنائع . والرؤساء أبدا يستنكفون عن الصنائع والمهن وما يجر إليهماو دفعوا ذلك إلى من قام به من المعجم والمولدين وما زالوا يرون لهم حق القيام به فإنه دينهم وعلومهمو لا يحتقرون حامليها كل
هامش
( 1 ) كذا بالأصل ولعله يريد أن يقول : والزجاج من بعدها والفارسي من بعدهما لأن الزجاج متقدم على أبى على الفارسي .