فقد حكي « * 1 » ان ملكا من ملوك الفرس جلس على سريره في يوم نوروز « * 2 » وجعل الناس يهدون له أصناف الهدايا ، فدخل عليه الموبذ « 1 » ومعه طبق « 2 » مغطى فأهداه إليه ، فلما كشف عنه رأي فيه فحمتين فقال الملك « 3 » : ما هذا ؟ فقال :
أيها الملك أحدهما « 4 » باز والاخر دراجة « * » ، واني رأيت الباز ارسل خلف « 5 » الدراجة ( فلم يزل يتبعها ) « 6 » وهي تطير بين يديه إلى أن أتيا « 7 » أجمة « * * » قد وقعت فيها نار ، فحمل الجزع الدراجة على اقتحامها وحمل الباز الحرص على اتباعها « 8 » فاحترقا جميعا ، فرأيت أن خير الهدايا هذه الموعظة فاهديتها لك ، فاجتنب أيها الملك الافراط في الجزع والحرص فإنهما سائقان إلى الهلكة ، فقال الملك : ما أهديت إلي هدية انفع « 9 » من هذه الهدية « 10 » .
ومتى صنع الملك بخطأ الرأي شيئا فأصاب فيه فلا يعاودنه « 11 » ثانيا طمعا فيما ناله أولا ، فإن من وطئ حية مرة فنجا منها جدير « 12 » أن لا يتعرض لها بالوطء مرة أخرى ، واعلم أن كبار أعوان الملك ومشايخ دولته الذين صحبوا اسلافه من الملوك هم أقوى دعائم مملكته ، وأثبت أركان دولته ، لأنهم وان براهم الزمان بحدّه فقد بقي كرم جوهرهم ومحض مودتهم ، فهم يزدادون في النصح اجتهادا وفي
هامش
( 1 ) الموبذان : ب .
( 2 ) طرف : ب .
( 3 ) ساقطة : ف ؛ ب .
( 4 ) أحد الفحمتين بازي : ف .
( 5 ) على : ف .
( 6 ) فتبعها : ط . ق .
( 7 ) انتهيا إلى : ف .
( 8 ) افتراسها : ط . ق .
( 9 ) ارفع : ف .
( 10 ) ساقطة : ف .
( 11 ) يعاودنه شيئا : م .
( 12 ) فليحذر : م . ط . ق .
( * ) الدراجة : هو طائر شبيه بالحجل وأكبر منه حجما ، له منقار قصير ، ويختلط لون ريشه بين السواد والبياض .
( * * ) أجمة : جمعها أجم وأجم وأجمات ، ومعناها الشجر الكثيف الملتف بعضه على بعض .
( * 1 ) انظر : الحكاية في العقد الفريد لابن طلحة ، ص 17 .
( * 2 ) نوروز : مناسبة يحتفل بها الفرس باستقبال السنة الجديدة ، فيفتتح الخراج وتولى الاعمال وتستبدل ، وتسك النقود وتذكى بيوت النيران ، وتشاد البنيان . انظر : التاج ، المنسوب للجاحظ ، ص 148 - 149 .