ونرى الموت في سبيله غنما .
فلم يردّ عليهم مقدّم الجيش « 1 » الجواب إلّا بجملة احتمل فيها من أوزاره ما احتمل . وثبت له أهل القرى فكانت الدائرة عليه فقتل من أصحابه أضعاف ما قتل . ونزل بهم الخذلان فولّوا الأدبار وظنّوا أن النجاة في الفرار . فأخذتهم السيوف من كلّ مكان . ولم تكن إلّا ساعة حتى دخلوا في خبر كان . ولم ينج منهم إلّا [ فل ] يسير « 2 » كانوا بريد الخبر . والناقلين عن أصحابهم ما حلّ بهم من تصاريف الغير .
واستباح أهل القرى ما خلّفوه في معسكرهم بعد الهزيمة من غنيمة .
وحصلوا من الأسلحة والأمتعة على كلّ خطير ذي قيمة . وعادوا إلى قرارة دارهم ومحل استقرارهم وقد ملأوا من الأسلاب حقائبهم وأثقلوا بالأنفال ركائبهم . أشدّ ما كانوا استيسادا « 3 » وضراوة . وأعظم ما كانوا على أعدائهم غلظة وقساوة .
فلما صاروا في مجمع ناديهم ومجتمع حاضرهم وباديهم .
أقبل عليهم الشيخ وقد برقت بالسرور أساريره . ولاحت على وجهه من البشر تباشيره . وقال : ألم أقل لكم إني أعلم من اللّه ما لا تعلمون ؟ فاتقوا اللّه وأطيعون . ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين
يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ
« 4 » . فخرّوا له سجّدا للأذقان .
هامش
( 1 ) مقدّم الجيش : ديوان الجيش ، ناظر الجيش ، وثمة مصطلحات أخرى ، كلها تشير إلى قائد الجيش . قال " السبكي " إنّ من يتولى الجيش ويجرد له ، يجب أن تكون فيه المصلحة والكفاية والقدرة . انظر : معيد النعم ومبيد النقم ، 33 - 34 .
( 2 ) فل يسير : مجموعة صغيرة وكلمة " فل " غير واضحة في الأصل .
( 3 ) الاستيساد : نسبة إلى الأسود .
( 4 ) سورة النمل ، 48 .