ولا يعصوا له أمرا . وقال له : سر إلى هذا البغاث « 1 » المستنسر . وصر إلى هذا الجمع الذي هو غير مستنصر . فخذهم في الجوامع والكبول « 2 » . وأسرع إليّ بهم الرجوع والقفول . فإن عاصوك معاصاة المشافق « 3 » . وأبدو لك صفحة الغادر المارق . فاستأصل منهم الشأفة . ولا تأخذك بهم في دين اللّه رحمة ولا رأفة .
فسار من ساعته لا يلوي على شيء ولا يعرّج . ولا يتورع عن قتل من لقي في طريقه ولا يتحرّج . حتى نزل بساحتهم . وحلّ يحبو حدّ باحتهم . فلمّا أعلم بهم أهل القرى أقبلوا نحوهم مهطعين « 4 » . وجاءوا إليهم مسرعين . قد استلأموا وتلببوا « 5 » . وتآلفوا وتحزنوا . يقدمهم الشيخ وفي يده عصاه . ويسير أمامهم محرّضا على جهاد من حاد اللّه وعصاه .
فلما ترآءى الجمعان قال لهم أهل القرى : يا هؤلاء فيم أتيتم ؟
وعلام أسّستم أمركم وبنيتم ؟ قالوا : جئنا لردّكم إلى الطاعة التي خلعتم ربقتها . وإعادتكم إلى الجماعة التي فارقتم طريقتها . وتنكيس ما قد رفعتموه للشقاق من رأيه . والإهابة بكم إلى حضرة السلطان لينفّذ فيكم حكمه ويرى فيكم رأيه .
قالوا أنّى يكون له الملك علينا وقد مرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية ؟ وسلّط المشركين على أهل العصبية للّه والحمية ؟
وعطّل الحدود المشروعة وفارق السنن المتبوعة ؟ فليس له عندنا إلّا الجهاد الذي نعدّه فرضا علينا حتما . والقتال الذي نمضي عليه قدما
هامش
( 1 ) البغاث : الطير الجارح . قال الجاحظ : « بغاث الطير ضعافها » . الحيوان 7 / 60 - 61 ( ط . هارون ) .
( 2 ) الجوامع والكبول : القيود .
( 3 ) المشافق : الخائف .
( 4 ) مهطعون : مسرعون خائفون .
( 5 ) استلأموا : لبسوا اللأمة للدّرع ، وتلببوا : جمعوا ثيابهم استعدادا .