لدى الشيعة حول التعاطي مع مسألة الحكم والسلطة .
لقد تمثلت إحدى هذه الرؤى بعدم جواز قيام دولة إسلامية أثناء غياب الإمام لأن من يملأها هو مغتصب لحقه في الحكم ، وأفضى ذلك إلى نشوء ميتولوجيا شيعية تستند إلى ثقافة جديدة ، قوامها قعود المؤمنين وانتظار عودة الإمام الثاني عشر لإقامة دولته . لكن هذه النظرية لم تلاق استحسانا من بعض الفقهاء الذين اقتربوا من مفهوم بديل يقوم على مبدأ ولاية الأمة على نفسها في عصر الغيبة ، فجاءت هذه الصيغة الاجتهادية في الفقه الشيعي لتحل إشكالية التعاطي مع الحكم والسلطة في ظل غيبة الإمام المعصوم « 1 » .
وقد مثلت رؤية الشيخ محمد مهدي شمس الدين إحدى هذه الرؤى التي انطلقت من القول :
بأن دولة المعصوم بعد غيبة الإمام الثاني عشر انتهت ، وأصبح المعيار ليس كون الحاكم معصوما وإنما كونه أمينا على تمثيل الوظيفة الأساسية للدولة أولا أي هو التعبير عن المشروع الإسلامي ، والمترجم لتطلعات الأمة « 2 » . وقد كان الفقيه الشيعي محمد حسن النائيني الذي انفرد بالمرجعية الشيعية عام 1920 ، سباقا في تقديم مثل هذه الرؤية وعلى أساسها قاد الحركة الدستورية الإيرانية التي سميت « المشروطة » والتي هدفت إلى تقييد السلطة المطلقة للحاكم الزمني .
ولقد وظف النائيني هذه الآلية في الحكم ، كي يشرعن حق ولاية الأمة على نفسها في عصر الغيبة كشأن سياسي وليس كشأن شرعي « 3 » .
وبهذا المعنى فلا تعود الأمة ترزح خارج الدولة ، كما أنها ليست مدعوة لتشكيل حكومة إلهية دينية ، بل حكومة مدنية عادلة تقوم على رقابة الأمة .
وبمقابل نظرية ولاية الأمة على نفسها ، شكلت نظرية ولاية الفقيه التي صاغها الإمام الخميني ، في صورتها الأخيرة ، اللبنة الأساسية في العودة إلى طرح موضوع إقامة دولة الإمامة .
وهي الدولة التي يقيمها الفقيه العادل ، الذي يجمع في إصدار الفتاوى بين السياسي والديني . فإذا كانت مواقف النائيني جاءت لتؤدي إلى تكييف الأمة مع الواقع ، إلا أن حكومة الفقيه التي طرحها الإمام الخميني ، أدت إلى إحداث تحول آخر للطائفة عن طريق إخراجها إلى المجال الإيديولوجي
هامش
( 1 ) محمد جمال باروت ، يثرب الجديدة : الحركات الإسلامية الراهنة ، دار رياض الريس ، بيروت 1994 ، ص 65 .
( 2 ) محمد مهدي شمس الدين ، الأمة والدولة والحركة الإسلامية ، سلسلة إصدارات المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى ، بيروت 1994 ، ص 27 .
( 3 ) محمد حسن النائيني ، تنبيه الأمة وتنزيه الملّة ، الغدير ، العددان 12 - 13 ، المجلد الثاني ، القسم الثاني ، آذار 1991 ، ص 110 .