1 . أشكال السلطة في أواخر العهد العثماني :
1 - 1 نظام التراتبيات وتشكّل سلطة القرابة :
ورث العثمانيون عن أسلافهم المماليك نظاما إقطاعيا عسكريا . فما أن احتلوا مصر وبلاد الشام ، حتى قضوا على الإقطاع العسكري المملوكي . غير أنهم أبقوا عليه في بلاد الشام بعد أن استبدلوه بإقطاع عسكري عثماني ، ثم ما لبث الإقطاع العسكري أن تعرض لتغيرات اتخذت مظاهر مختلفة ، حتى وصلوا في أحد مراحله إلى نظام التدرج ، الذي تتدرج فيه السلطة ضمن إطار تسلسلي ، يبدأ من السلطان ، إلى الوالي فالأمير ، ثم الشيخ المقاطعجي .
هذا النظام هو الذي كان قائما في الجبل والمناطق ، وقد ارتكز على عملية تحصيل الضرائب من الأراضي الزراعية التي كانت تقتطعها العائلة المسيطرة ، وترسلها إلى الأمير الذي كان يرسلها بدوره بشكل سنوي إلى الوالي ، بعد اقتطاع ما يستحق منها للإمارة « 1 » .
وقد وصفت العائلات التي تقوم بجمع الضرائب « بالمقاطعجية » . حيث لعبت دور الوسيط بين الأمراء والفلاحين ، واعتمدت في سيطرتها على عصبياتها القرابية ، وعلى الإقطاعة التي لم تكن لفرد من العائلة ، وإنما كانت تحت تصرّف العائلة بأسرها « 2 » .
أ . إمارة الحرافشة في بعلبك :
ضمن إطار نظام التدرج ، تسلّم الحرافشة إمارة بعلبك التي امتدت إلى مشغرة في البقاع الغربي . وكانت الإمارة تباع سنويا بالمزايدة وتنتقل بين أمير حرفوشي وآخر ، حتى تسلمها الأمير أمين الحرفوش عام 1819 « 3 » .
لم يكن أمراء الحرافشة خلال تسلمهم زمام الإمارة على علاقة وئام دائم مع الولاة العثمانيين ، بل عمدوا في بعض الأحيان إلى الصدام المباشر مع هؤلاء الولاة ، لأسباب تعود إلى الصراعات الداخلية بين الزعماء الحرفوشيين ، ونزاعاتهم في سبيل تولي زمام السلطة . وبنتيجة تفضيل الولاة العثمانيين لبعضهم في تولي السلطة ، أو محاولة الحد من أطماع بعض الأمراء الحرفوشيين الذين أرادوا توسيع السيطرة على مناطق جديدة خارج حدود الإمارة - التي امتدت من بعلبك إلى مشغرة في البقاع الغربي - سعى هؤلاء إلى الصدام المباشر مع الدولة
هامش
( 1 ) وجيه كوثراني ، الاتجاهات الاجتماعية والسياسية في جبل لبنان والمشرق العربي ، مرجع سابق ، ص 18 - 19 .
( 2 ) خليل أحمد خليل ، العرب والقيادة ، دار الحداثة ، بيروت 1985 ، ص 227 .
( 3 ) طنوس الشدياق ، أخبار الأعيان في جبل لبنان ، مرجع سابق ، ص 399 .