خلاصة :
تبيّن في الفصل السابق ، أن الوحدات القرابية لم تكن بمنأى عن التغيرات والتطورات التي هبّت على المنطقة منذ القرن التاسع عشر .
وبفعل هذه التطورات تشكّلت مجموعة من التنظيمات والحركات الحزبية ، وراحت تعمل على استيعاب الأفراد داخل إطاراتها ، فشهدت تطورا تدريجيا في عملية الاستقطاب حتى بلغت ذروتها في مرحلة الحرب الأهلية .
غير أنه حتى هذا التاريخ ، لم تكن الوحدات القرابية برغم تنازعها بين الانتماء القرابي والانتماء الحزبي ، قد عرفت انشدادا يقوم على اللحمة الطائفية على غرار غيرها من الطوائف .
وبرغم واقع الطائفة المتردي من الناحيتين الاجتماعية والسياسية ، والذي يوفر الإمكانية لبلورة الوعي داخل أفرادها ، غير أن عدم بروز قيادة أو زعامة سياسية تعمل على تأطير أفرادها ، وتنزع نحو تعزيز وجودها على قاعدة نيل مطالبها الاجتماعية ، وتحسين ظروف تمثيلها السياسي ، أدى إلى مراوحة أفرادها بين الانتماء القرابي والحزبي .
فمع بروز الإمام موسى الصدر بات هؤلاء الأفراد وكذلك الطائفة المتشكلة في إطار التنظيم الجديد ، أي حركة أمل ، أمام تحدّ قوامه استيعاب الأفراد وتعضيدهم في لحمة جديدة تنأى عن دائرة الانتماءات القرابية والحزبية ، إلى دائرة الانتماء لصفوف الطائفة المتسيّسة حديثا .
لقد لاقت الدعوات التي قادها الإمام الصدر استجابة واسعة بين عموم أفراد الوحدات القرابية ، وامتدت إلى ما بعد غيابه عن مسرح الأحداث . غير أن نجاحه لم يكن مقرونا بشكل مباشر بإطلاقه لحركة المحرومين أمل ، والتي تزامنت مع بدء الحرب الأهلية ، إذ ليس من شك أن الحرب الأهلية ، وبفعل التعبئة التي سادت آنذاك ، سهّلت عملية الاستقطاب بين أفراد الطوائف . غير أن بروز الإمام الصدر ، والبدء بإطلاق وتعميم الوعي بالحرمان الاجتماعي والسياسي للشيعة منذ الستينات ، أدى إلى انعكاس هذا الوعي تدريجيا على أفراد الوحدات القرابية .
فثمّة زعامة جديدة تنزع نحو توحيد الطائفة دون الاصطدام مع مرتكزات القرابة . ولما كانت هذه المرتكزات قد بدأت تفقد الكثير من معانيها خلال الحرب الأهلية ، شكّل ذلك أحد الأسباب التي ساهمت في المسارعة نحو التحوّل نحو مشروع الطائفة المتجسّد بإطارها التنظيمي .