السلام كانت ثلاثين سنة . فكان بين ولادة نوح و بين هود ستمائة سنة و سبع و ستون سنة و كان بين ولادة هود و بين ولادة فالغ الذى كان يسمّى قاسما أربع و ثلاثون سنة و إنّما سمّى قاسما لأنّ فى زمانه قسمت الارض بين أهلها . و سبب قسمة الأرض فى زمانه كان منازعة الناس و مشاجرتهم التى لم تكن قبل هذا . و تفرّق النّاس من أوطانهم لحادثة حدثت و بلاء عمّهم و أهلك منهم خلقا كثيرا و شتّت الباقين ، ففارقوا أوطانهم المعهودة و مساكنهم المألوفة ، فوقع بعضهم إلى أرض العراق و أقاموا هناك مدّة فظهرت فيهم المخالقة و الشرك و الكفر و اختلاف الآراء و الإعتقاد ، و مع هذا فإنّهم اتفقوا على بناء مدينة و عمارة عظيمة . فبنوا بلدة رفيعة البنيان وسيعة الأفنية و بنوا فى وسط المدينة برجا عاليا بحيث لم يكن أن يعمل مثله . فهذه الطائفة هم أوّل من ضرب اللّبن ، و أحرق الآجر . و كان الحاكم فيهم نمرود و كان فى الشرك و الكفر و الجبروت بحيث ادّعى الالهيّة . و غرضهم من بناء ذلك البرج كان أن يجعلوه حصنا حصينا و يجتمعون فيه بحيث إذا هبّت عليهم ريح عاصف لا يتشتّتون من تلك البقعة . و الغرض الثانى انّ بعضهم إذا ضلّ فى تلك البرارى يهتدى بتلك البنية . و أمّا نمرود فإنه لم يكتف على الكفر فقط ، بل كان يتعرّض لإهلاك المؤمنين و كان يدعو ابرهيم إلى عبادة الاصنام و ألزمه على ذلك ، فأبى إبراهيم عليه السلام عن ذلك ، فأمر بحبسه ، فبقى فى الحبس ثلاث عشرة سنة مقيّدا بالحديد و كان فى كل يوم يطالبه و يؤاخذه فلم يقبل إبراهيم عليه السلام منه و لم يلتفت إلى قوله ، فأمر نمرود بأن تشعل نار عظيمة و يلقى إبراهيم فيها ، فأمر اللّه سبحانه و تعالى الملائكة المقرّبين بانجاء إبراهيم عليه السلام عن تلك النار ، فتبادرت الملائكة و أخرجت إبراهيم عليه السلام من النّار و نصره اللّه عاقبة الأمر على نمرود . و كلما كان نمرود يريد عقوبة ابراهيم عليه السلام كان اللّه عزّ و جل يغشى عليه الامر و يعاقبه بعقوبة مثلها أو أقوى منها . و فرّق اللّه شمل تلك الطائفة و شتّتهم و بدّل عزّهم بالذّل و تحيرهم بالإهانة و سلط اللّه عليهم النسيان و الغفلة حتى انّ اللغة التى كانوا يتكّلمون بها نسوها . و كانوا إذا خاطب بعضهم البعض لا يفهم المخاطب ما يقال له ، فلأجل
جامع التواريخ ( تاريخ بنى اسرائيل ) ( فارسى ) — صفحة 262
مساهمون: رشيد الدين فضل الله همدانى
ص٢٦٢