ففتح باب السفينة و بعث الغراب ليعلم حال الأرض و ينهيه إليه . فرأى الغراب جيفة فى الطريق فوقع عليها و اشتغل بأكلها و لم يعد ، فلعنه نوح عليه السلام . ثم بعد سبعة أيام بعث حمامة لما راى فيها آثار الأمانة ، فلم تتمكّن الحمامة من السير فرجعت إلى خدمة نوح عليه السلام خائفة جازعة . ثم مكث نوح عليه السلام سبعة أيام اخر و بعث الحمامة ثانيا فلم تبط فى العود و جاءت بورقة من شجر الزيتون و بشّرت بها نوحا ، فدعا لها نوح و قال خصّك اللّه برسالة الملوك و أسرار السلاطين . فتيقّن نوح عليه السلام أنّ الحال قد تغير .
ثم بعد سبعة أيام أخر بعث الحمامة مرّة ثالثة فى مدة عشرين يوما من شهر أيلول و كان آخر السنة التى ظهر فيها الطوفان . و فى صبيحة يوم هذه السنة و هى السنة الثامنة من الطوفان و هذه السنة كانت سنة إحدى و ستمائة من عمر نوح عليه السلام . فلمّا عرف نوح أنّ الارض قد انكشف عن وجهها الماء و استوثق منه كشف غطاء السفينة ، و شاهد الحال معاينة و بعد مدّة أربعين يوما من هذا التاريخ يبس وجه الأرض بحيث تمكّن الناس من التردّد فيها . فأوحى اللّه تعالى الى نوح عليه السلام الخروج من السفينة . و كان خروجه فى اليوم السابع عشر من شهر مرحشوان ، فكان أوّل الطوفان ايضا فى السابع عشر من هذا الشهر ، فثبت بهذه التواريخ أن مدّة مكث نوح عليه السلام فى السفينة كانت سته . . . خرج نوح عليه السلام من السفينة و فرح بذلك فرحا عظيما ، و شكر اللّه سبحانه و تعالى و نذر النذر و القرابين على سلامته و حسن عاقبته فتقبل اللّه تعالى منه [
r
2085 ] قربانه ، و بشّره بقبول قربانه و دخول الجنّة ، و ذكر القسم بالاسم الاعظم الذى له عزّ و علا أنّه لا يعيد الطوفان على وجه الارض . و أظهر لنوح عليه السلام علامة فى السحاب و هو قوس قزح . و وقعت لنوح عليه السلام فى هذه الحاله نكبة عجيبة و هو أنّه لمّا خرج من السفينة ، و شرع فى صنعه الزراعة و الفلاحة و اجتهد فيها و بالغ ، فكان يوما جالسا فى منصبه بين أولاده و أصحابه و بعض الناس بين يديه مشغول بأمور الزراعة و هو يعلمهم و يقول لهم افعلوا كذا و كذا ، و يبيّن لهم كيفيّة استعمال الآلات و كيفيتها و يطلعهم على