وهنا ضعفت عزائم الحلفاء الذين كانوا أجمعوا على تعضيد مزاحمة السلطان محمد ، فأما جكرمش فاستأذن كوهرائين في العود إلى بلده بدعوى أن الأحوال قد اختلت ، فأذن له ! . .
واتفق الآخرون على أن يصدروا عن رأي واحد لا يختلفون . . .
ولما كانت الدنيا قد أخذت تقبل على السلطان بركيارق ، فقد كان رأيهم الواحد الذي لم يختلفوا فيه : أن كتبوا إلى بركيارق يقولون له : أخرج إلينا ، فما فينا من يقاتلك ! .
فسار بركيارق إليهم ، فترجلوا وقبلوا الأرض وعادوا معه إلى بغداد ! .
هذا السلطان وهؤلاء الأمراء ، لم يذكر منهم ذاكر القدس وأفاعيل الصليبيين فيها ، ولم يكن في خواطرهم التفكير في إنقاذها ! .
لقد اجتمعوا من كل مكان ، وما من مكان جاءوا منه إلا وفيه المقاتلة الأشداء ، لقد استغلوا هؤلاء المقاتلة لتوطيد سلطانهم وإحكام أمرهم ، وجردوا السيوف بعضهم على بعض ، لا على أعداء الإسلام : فاتحي القدس ، وذابحي المسلمين فيه .
وبغداد هذه التي عادوا إليها مجتمعين ، ليوطدوا فيها سلطان بركيارق بعد أن كانوا قد وطدوا فيها من قبل سلطان عدوه محمد بن ملكشاه . . بغداد التي لم تثرهم فيها استغاثة المستغيثين بهم لإنقاذ القدس ، بغداد التي شهدت القادمين من الشام يبكون العيون ويوجعون القلوب بذكر ما دهم المسلمين بذلك البلد الشريف المعظم من قتل الرجال ، وسبي الحريم والأولاد ، ونهب الأموال .
بغداد التي شهدت كل ذلك ، وشهدتهم معرضين عن الإغاثة ، متجافين عن المعونة فلم تبك عيونهم ، ولم تتوجع قلوبهم ، ولم تتحرك سيوفهم ، بل أعرضوا عن الصوت المستغيث ! . .
بغداد تشهدهم اليوم متجمهرين فيها حول سلطانهم القديم الجديد بسيوف مشهورة ، وألوية منشورة ، ونفوس مسرورة ! .
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 82
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص٨٢