وتسقط القدس ويجري ما يجري فيها على المسلمين ، ويأتي المستنجدون من الشام إلى بغداد ، بغداد السلجوقية في ذلك الوقت .
ويروي قصتهم ابن الأثير على هذا الشكل :
( وورد المستنفرون من الشام في رمضان إلى بغداد بصحبة القاضي ( قاضي دمشق ) أبي سعد الهروي ، فأوردوا في الديوان كلاما أبكى العيون وأوجع القلوب وقاموا بالجامع يوم الجمعة فاستغاثوا وبكوا وأبكونا ، وذكر ما دهم المسلمين بذلك البلد الشريف المعظم من قتل الرجال وسبي الحريم والأولاد ونهب الأموال ) . ( انتهى ) .
كان يومذاك في بغداد سلطتان : سلطة روحية بحتة هي سلطة الخلافة ، وسلطة فعلية حاكمة هي سلطة السلاجقة .
وكل ما استطاع الخليفة أن يفعله هو أن يقنع ستة من الفقهاء أن يسيروا نجدة لإخوانهم في الشام ، ومع أن هذه النجدة لا طائل وراءها ، فإن هؤلاء لم يلبثوا أن رجعوا من أول الطريق . .
أما السلطة الفعلية سلطة السلاجقة فقد أصمت أذنيها عن سماع الاستغاثة ، وتجاهلت وصول المستغيثين منصرفة إلى شؤونها الخاصة .
هذه السلطة التي لم تتوان عن أن يسير بها رأس من رءوسها الكبيرة ، مؤيد الملك بن نظام الملك لإنجاد سلجوقي متنازع مع سلجوقي آخر .
ويعبر ابن الأثير عن الموقف أحسن تعبير حين يقول : ( واختلف السلاطين فتمكن الإفرنج من البلاد ) . والمقصود بالسلاطين : سلاطين السلاجقة إذ لم يكن يومذاك من يدعى بالسلاطين غيرهم .
ويبدو أن الخليفة المستظهر قد أحرج السلطان السلجوقي ( بركيارق ) فأرسل بركيارق إلى كربوقا أتابك الموصل فذهب لإنقاذ أنطاكية . فكان من كربوقا ومن معه من القواد أن تحكمت بكربوقا أنانيته ، وتغلبت على القواد وجنودهم الخيانة فأضاعوا أنطاكية ، وفتحوا البلاد للصليبيين . . . - كما سيأتي بيانه - .
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 80
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص٨٠