ولم يجرد سيفا ، ولم يشرع رمحا دفاعا عن البلد الذي أنفذ فيه سلطانه ، واستصفى أمواله ، وعاش فيه آمرا ناهيا مترفا ، فلما جد الجد لم يكن له هم إلا نفسه ففر هاربا لا يلوي على شيء ، ولم يترك البلد وأهله وحدهم عرضة لمذابح الصليبيين ، بل ترك حتى أسرته للقتل والسبي والأسر .
وصاحبا حلب ودمشق ( السلجوقيان ) لم يعنهما أن يحتل الصليبيون أنطاكية ، ثم ينطلقوا منها إلى أولى القبلتين وثالث الحرمين ، لم يعنهما ذلك ما دام الصليبيون قد طمأنوهما بأنهم لن يتعرضوا لهما .
وفي السنة التي كان الصليبيون يزحفون فيها على العالم الإسلامي فيحتلون أنطاكية ويتقدمون إلى بيت المقدس ، كان السلجوقيون في مكان آخر لا يكترثون بهذا ، وإنما يتقاتلون فيما بينهم فيقود دولتشاه مع بيغو أخي طغرل بك فريقا ، ويقود السلطان سنجر فريقا ويدخلون فيما بينهم بمعارك دامية . وفي السنة الثانية من احتلال القدس ( سنة 492 ه ) كان السلاجقة في شاغل عن هذا الاحتلال ، وعن مذابح المسلمين في القدس ، وعن الذل الذي غرق فيه المسلمون كانوا في شاغل عن ذلك ، وكانوا يتحاربون في مكان آخر ، كان القتال دائرا بين السلطان ( بركيارق ) وواليه ( أنر ) ، وبين ( إيران شاه ) وحلفائه ( الشوانكاره ) .
ومؤيد الملك عبيد اللّه بن نظام الملك ( الوزير السلجوقي ) لم يعنه وهو في بغداد ما يجري في القدس بل عناه الخلاف السلجوقي ، فسار من بغداد لا إلى القدس لإنجادها واستنقاذها ، بل إلى حيث يقيم ( أنر ) لإنجاده واستنقاذه .
وأنر هذا لم يعنه هو الآخر ما يجرى في القدس على المسلمين ، بل عناه أن الإسماعيليين قد انتشر أمرهم في أصفهان فندب نفسه لقتالهم ، وحصر قلعة على جبل أصفهان ! .
أنر السلجوقي لم ير في انتشار أمر الصليبيين في بلاد الشام ما يحفزه على أن يندب نفسه لقتالهم ، وأن يسرع لحصار قلعة من قلاعهم . بل رأى في انتشار أمر مواطنيه الإسماعيليين ما يحفزه على ذلك ! .
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 79
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص٧٩