قال : وكان قد اتفق وصول السلطان سنجر إلى الري في سنة 521 ه قبل مضي السلطان محمد إلى بغداد ، فعاد إلى خراسان واستصحب الملوك معه تأنيسا لقلب محمود ، باستصحاب طغرل ومسعود . عاد محمود إلي سريره وتفرد الوزير بتدبيره . ومن الاتفاقات العجيبة والواقعات الغريبة أنه اجتمع في ذلك العهد في خركاه واحدة السلطان سنجر والأخوة الأربعة : السلطان محمود ، ومسعود ، وطغرل ، وسليمان ، والوزير الدركزيني ، والنصير محمود بن أبي توبة وزير سنجر . وهناك رجل يقال له الفلك ، وهو من الندماء المطبوعين . فقام وصلى ركعتين ورفع إلى السماء اليدين .
وجعل يدعو اللّه ويتضرع ، ويبتهل إليه ويخشع . فاستدعاه سنجر وقال " ما هذه الصلاة والدعاء " فقال " ناجيت اللّه تعالى وقلت : هؤلاء العصبة الذين اجتمعوا في هذه الخركاه هم أصول الفتن وفروع المحن فاخسف بهم هذه البقعة ، وانفض عنهم هذه الرقعة ، حتى يسلم خلقك ، ويسلم حقك . فضحك منه سنجر ، واستخف النديم المتمسخر .
فلما عاد محمود سار إلى بغداد ، وشرع في إزهاق النفوس فأزهقها . والأخذ بمشورة الوزير لنفاقها عنده مع نفاقها ، ولا جرم أنه ما تمتع بعمره بعد قطع تلك الأعمار ، وانتقل بجوره وجبروته إلى جوار الجبار .
قال : وحكى نجم الدين رشيد الخادم الغياثي أنه حضر السلطان محمودا وهو يتقلب على فراشه في سكرة الموت ويقول " ادفعوا عني شيركير وولده فقد شهرا سيفين ليقتلاني " . وكان يكرر هذا القول إلى أن قضى نحبه ولحق بربه . وما عصبت به هذه الوزر إلا عصبية هذا الوزير . فإنه عجل له سوء الأدبار بسوء التدبير . وكان السلطان محمود محمود الخليقة مودود الطريقة ، إن ترك وطبعه ، ولكنه بلي بأنواع من البلاء من أعوانه ، ونغصوا عليه مشروع سلطانه . وفرقوا في ابتداء دولته خزانة أبيه ، واستضعفوا جانبه وطمعوا فيه . قال : ووجد تفصيل بخط عمي العزيز - رحمه اللّه - ، أن الخزانة الغياثية المحمدية كانت تشتمل على ثمانية عشر ألف ألف دينار ، سوى الصياغات والجواهر الثمينة ، وأصناف الثياب المعدنية . فآل الأمر إلى أنهم احتاجوا إلى إقامة وظيفة الفقاع ، فلم يجدوا ما يصرفون فيها من المتاع . فأخرجوا إلى الفقاعي عدة من صناديق الخزانة التي فرغت ، فباعها بما بلغت . وحتى طلب السلطان من شابور الخازن غالية ، فاستمهله أياما وادعى إقلالا ، ثم أحضر ثلاثين مثقالا . فقال السلطان
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 285
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص٢٨٥