بسبب تلك الجواهر ، وأنه لا يعود عنك بما تقرره من المعاذر . وقد رضي سنجر بشهادة العزيز ، فإنه أمين قوله صادق ، والسلطان سنجر بصحته واثق . ونحن نرى أن تحبس العزيز في بعض المعاقل محفوظا من الغوائل . حتى إذا وصل الرسول وأدى رسالته ، وطلب العزيز وشهادته قلت له : " هذا صاحبنا وقد نقمنا منه أمرا ، فعزلناه ، وقبضنا عليه واعتقلناه . وما بقينا نرجع إليه في الشهادة . وسؤال المحبوس خلاف العادة " . فتلوم السلطان محمود وتذمم ، وتردد فكره وتقسم . ففاوضه الدركزيني وهون عليه الأمر ، وسهل عنده الوعر ، وقال له " إذا كنت معتنيا فما يضره القعود مصونا وما يعيب الدر مكنونا والذخر مخزونا " . قال : " وأنا أطلق لك من مالي ثلاثمائة ألف دينار إذا حبسته ، وأقوم بأدائه إذا أجلسته " .
فمال إلى المال وحال بالمحال . فاستدعى عمي العزيز من داره وعرفه بغرضه ، ثم أمر بالتوكيل به على أجمل وجه ، وكان ذلك والسلطان حينئذ ببغداد في أوائل سنة 525 ه ، ثم قالوا للسلطان : الصواب إنفاذه إلى معقل فقد قرب وصول الرسول .
فسلم العزيز إلى بهروز الخادم شحنة بغداد ، حتى سيره إلى تكريت ، فلم يلبث السلطان بعد حبسه إلا قليلا . وكم تلا ( يا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ) . وذلك أنه لم يسمع رسول عمه عند حضوره ما قيل عن رسالته . واستدل بذلك على كذب الوزير في مقالته . وأرسل إلى الوزير وطالبه بالمال فزاغ عن مطلبه ، ومطل به . وسير إلى أصفهان فقبض على والدي صفي الدين وعلى عمي ضياء الدين واعتقلهما بقلعتهما ونهب وسلب . واستولى على أملاكنا وأموالنا واستوعب . وأما العزيز ، فإن السلطان كتب إليه بتكريت يعده ويأمره بالصبر ويقول " إذا أخذت من الوزير ما بذله فأنا لا بد أن أطلقك وأعتقله " ، والوزير في كل مدة يزن له شيئا من المال ، ويريه أنه من عنده ومن ذهنه ، ولا يعلم أنه جباه من مال المصادرات ، وجاء به ووعده بالباقي إلى همذان . وفي القدر أن بقاءه قد انتهى وأن حينه قد حان . ورحل السلطان من بغداد ومرض في الطريق واشتد مرضه . ثم فارق جوهره عرضه . وذلك في شوال سنة 525 ه . وذكر أن الوزير سمه في طعامه فإنه لما قصر في أداء المال ، ونظر في سوء المال ، شرع في اغتيال السلطان على وجه الاحتيال ، فتمم له تأميله . وحين مضى السلطان لسبيله وضح في التسلط سبيله .
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 284
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص٢٨٤