حالتي سكره وصحوه ، حتى أخذ رخصة في سفك دمهما الحرام ، وأذهب بقتلهما قوة الإسلام . واتخذ بذلك عند ذوي الإلحاد يدا ، واستكثر له من أعوانهم مددا .
وقال : وكان عمي العزيز يحسب أنه إنسان ، وأن جزاء الإحسان له منه إحسان .
فلما أحس بشرارة شّره ، وضراوة ضره فكر في طريق الانزواء ، والخلوص من تلك الأهوال والأهواء . فاستأذن في الحج ، فسار في سنة 517 أو 518 ه ، وكان حاج تلك السنة بأجمعهم في ضيافته وكرامته . وعمهّم شمول عارفته ، حتى قال الرئيس أبو الحارث البغدادي فيه :
يا كعبة الإسلام ما لي أرى * إليك تسعى كعبة الجود
تقصد في العام وهذا الفتى * لم يلف يوما غير مقصود
وهنأه عند عودة القاضي أبو بكر الأرجاني بقصيدته النونية المشهورة التي أولها :
ورد الخدود دونه شوك القنا * فمن المحدّث نفسه أن يجتنى
لا تمدد الأيدي إليه فطالما * شبوا الحروب لأن مددنا الأعينا
ما إن جفوت الطيف إلا ليلة * والحي قد نزلوا بأعلى المنحنى
لما ألم وقد شغلت بمدحة * لعزيز دين اللّه فكري موهنا
في ليلة حسدت مصابيح الدجى * حكمي وقد كانت لها هي أزينا
قلمي بها حتى الصباح وشمعتي * بتنا ثلاثتنا ومدحك شغلنا
حتى هزمنا للظلام جنوده * لما تشاهرنا عليها الألسنا
أفناهما قطي وأفنيت الدجى * سهرا فأصبحنا وأسعدهم أنا
للّه مقدم ماجد أضحى به * عنا لنازلة النوائب مظعنا
أمنت إساءته عداه لأنه * مذ كان لم يحسن سوى أن يحسنا
أتبعت غزوتك الحميدة حجة * فقضيت أيضا فرضها المتعينا
وجررت أذيال الكتائب موغلا * في الأرض خلف بني الخبائث مثخنا
حتى غدت تلك المجاهل منهم * وكأنما هن المناحر من منى