أولى من هذا المقال . فخلني أخل سرك من هذا السر ، ودعني أتول هذا الأمر . فقال ابن التميمي : الأمر إليك ، والاعتماد عليك ، والصواب ما تدبره ، والتدبير ما تستصيبه ، وأنت أعرف بما تخاطب به صاحبك وبما تجيبه . فقال عميد الملك للسلطان : إن القضية قد تسهلت ، وإن العقدة قد تحللت ، وإن المنية قد أمكنت ، وإن البغية قد تمكنت .
فأشاع السلطان خطبته ، وأذاع رغبته . وتقدم إلى عميد الملك بالمسير مع أرسلان خاتون بنت أخيه زوجة الخليفة إلى دار الخلافة ، واستصحب ما جاوز حد الكثرة من الدنانير المبدرة والجواهر المثمنة ، وسيّر معها عدة من الأكابر وذوي العلى ، ومن عظماء الديلم : فرامرز بن كاكويه وسرخاب بن كامروا . وكان قد وزر للخليفة في تلك السنة مجد الوزراء أبو الفتح منصور بن أحمد بن دارست ، فخرج لتلقي الواصلين إلى قرب النهروان ، والتقى هو وعميد الملك وهما راكبان ، ودخل عميد الملك بغداد وجلس على باب النوبي . فلما وصلت خاتون ، سار في خدمتها إلى دارها ، ثم حضر بيت النوبة وأخذ دواة الوزير ابن دارست . وأنهى حضوره وحضور الأمراء الذين معه ، وأدى من الرسالة ما أودعه . فنفر الخليفة وغضب ، وغاض ماء بشره ونضب ، وقصد الامتناع ومنع المقصود وسد الباب ولم يفتح الباب المسدود . فشرع عميد الملك يتكلم بكل فن ، ويقعقع بكل شن ، ويقول : ما بالكم افترحتم ، ثم امتنعتم ؟
وفيم ذهبتم إلى أبعد غاية في الطلب ثم رجعتم ؟ وقد خاطرتم عند السلطان بدمي ، وأزلتم بما قدمتم من التقدم قدمي . فأخرج إلى النهروان مضاربه ، وخلع الأهبة السوداء ولبس البياض ، فاستوقفه ابن يوسف وقاضي القضاة ليستنزلوه من المضارة إلى المراضاة . وما زالا يتلطفان به ، حتى حضر بعد ذلك عند الخليفة دفعتين ، ومعه جماعة من الأمراء والحجاب والقضاة والشهود ، وبلغ في الخطاب وبذل المجهود . وذلك في جماد الآخر سنة 453 ه .
وقال الخليفة : « نحن بنو العباس ، خير الناس . فينا الإمامة والزعامة ، إلى يوم القيامة . من تمسك بنا رشد وهدى ، ومن ناوأنا ضل وغوى » .
وكان الخليفة قد كتب إلى عميد الملك : أسأل مولانا أمير المؤمنين التطول بذكر ما شرف به الخادم الناصح شاهنشاه ركن الدين فيما رغب فيه ، وسمت نفسه
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 194
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص١٩٤