وفاضت عن حاجاتها فاحتفظت بأموالها واستدرت أموالا من الخارج ما كان عاملا في نهوض الحركة الصناعية والاقتصادية والثقافية .
وعرفت طرابلس ، في كتب المؤرخين والرحالين ، بكثرة ما تنتجه من الفواكه والثمار ، حتى لقد قالوا : ( إن فيها ما لا يوجد في سائر الأقاليم أصلا ، إذ لا يكاد يوجد دار بغير شجر لكثرة تخرق أرضها بالمياه ، فهي تجمع بين ثمار الشام ومصر ) . والفرنج عرفوا قصب السكر ، لأول مرة ، في بساتين طرابلس ، فنقلوا غروسه إلى جزيرة صقلية وجنوب إيطاليا .
ومن إنجازات بني عمار إنشاء مصانع للورق ، فقد كان الورق السمرقندي هو المشهور في العالم الإسلامي بجودته ، فإذا بالورق الطرابلسي يفوقه جودة .
وقد كان لوجود مصانع الورق أثر كبير في رواج العلم والتدوين والتأليف في طرابلس وساعد على نهضتها الثقافية العلمية الأدبية ، فكثر الوراقون ، ونشأت للتجليد صناعة فنية على الطريقة الصينية من زخرفة وتوشيح بالخطوط الملونة .
ومن الصناعات التي نهضت في طرابلس صناعة الحرير التي امتدت مصانعها على ضفاف النهر ، بما فيها من ألوف الأنوال والمغازل ما أدهش الفرنج وأثار عجبهم .
وقد عني بنو عمار بالملاحة البحرية فأنشاوا أساطيل تجارية كانت تجوب البحر حاملة من طرابلس أو ناقلة إليها حاجات الناس هنا وهناك ما أشرنا إلى بعضه فيما تقدم من القول ، هذا عدا عن أسطولهم الحربي الذي تولى قتال أساطيل الصليبيين طوال عشر سنوات .
ومن طرابلس عرف الأوروبيون ( البوصلة ) وكيفية استعمالها ، عرفوا ذلك من البحارة الطرابلسيين .
وقد امتدت آثار بني عمار إلى خارج إمارتهم ، فهم الذين بنوا الجهة الشرقية من الجامع الكبير في مدينة حلب ، كما يثبت ذلك المؤرخ ابن الشحنة الحلبي في
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 180
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص١٨٠