هذا الكلام الذي نأخذه بنصه عن ابن الأثير يغني عن كل تعليق .
ويواصل ابن الأثير قائلا :
وأجرى ابن عمار الجرايات على الجند والضعفى ، فلما قلت الأموال عنده شرع يقسط على الناس ما يخرجه في باب الجهاد ، فأخذ من رجلين من الأغنياء مالا مع غيرهما ، فخرج الرجلان إلى الإفرنج وقالا : إن صاحبنا صادرنا فخرجنا إليكم لنكون معكم ، وذكرا لهم أنه تأتيه الميرة من ( عرقة ) والجبل .
فجعل الإفرنج جمعا على ذلك الجانب يحفظه من دخول شيء إلى البلد .
فأرسل ابن عمار وبذل للإفرنج مالا كثيرا ليسلموا الرجلين إليه فلم يفعلوا .
فوضع عليهما من قتلهما غيلة . لم يكن ابن عمارا بطلا شجاعا فقط ، بل كان إلى ذلك حازما بعيد النظر محكم التدبير جلدا أمام الأهوال . . في كل شعوب الأرض يوجد ضعاف النفوس خوارو العزائم ، ويوجد حريصون على المال لا يبالون في هذا الحرص أن يخونوا أوطانهم .
فلا يضير الشعب الطرابلسي أن يوجد في صفوفه مثل هذين الخائنين الذين لا نشك في أنهما جمعا مالهما من الحرام ومن كل مصدر غير شريف ؛ لأن من يقدم على ما أقدما عليه يكون قد أقدم على كل رذيلة في جمع المال ! .
كان ابن عمار كما قلنا حازما بعيد النظر محكم التدبير جلدا أمام الأهوال ، فلم يشغله ما هو فيه عن التفكير في أمر هذين الخائنين . إن تركهما سليمين يشجع أمثالهما على الخيانة فأحكم تدبير أمر اغتيالهما ، واستطاع اختراق صفوف أعدائه والوصول إلى اغتيالهما ، وفي هذا ما فيه من قوة العزم وسداد الرأي وإحكام الأمر . .
ابن عمار والسلاجقة
وفي أحداث سنة 501 ه . يقول ابن الأثير : ورد فخر الملك أبو علي بن عمار ، إلى بغداد قاصدا باب السلطان محمد ( السلجوقي ) ، مستنفرا على الإفرنج ، طالبا تسيير العساكر لإزاحتهم ، والذي حثه على ذلك أنه لما طال حصر الإفرنج لمدينة طرابلس ، ضاقت عليه الأقوات وقلت ، واشتد الأمر عليه وعلى أهل البلد .