تكون سيرة الخوارزميين في بلاده قد بلغت الغاية في الظلم والتعسف والقهر والإذلال .
ولم يكتف صاحب سمرقند باستدعاء الخطا لتسليمهم البلاد ، بل عمد إلى الانتقام من الخوارزميين الموجودين في سمرقند انتقاما بلغ أقصى الوحشية .
وكان قد سكن سمرقند الكثيرون بعد التحالف الخوارزمي السمرقندي ، كما كان يسكنها غيرهم من قبل ، فأمر صاحب سمرقند بقتل الجميع قتلا عاما ، أما من كانوا منهم منتسبين شخصيا إلى خوارزم شاه فكان يقطع الواحد منهم قطعتين ويعلقهم في الأسواق ( كما يعلق القصاب اللحم ) .
وبلغ حقده حتى إلى زوجته الخوارزمية ابنة خوارزم شاه ، فمضى إليها ليقتلها ، فأغلقت الأبواب ، ووقفت بجواريها تمنعه ، وأرسلت إليه تقول له : أنا امرأة وقتل مثلي قبيح ، ولم يكن مني إليك ما أستوجب به هذا منك ، ولعل تركي أحمد عاقبة ، فاتق اللّه في . .
فتركها ووكل بها من يمنعها من التحرك بحرية .
ووصلت أخبار ما جرى إلى خوارزم شاه فأقامته ولم تقعده وكان رد فعله يكاد يكون أفظع من فعل صاحب سمرقند ، فإذا كان هذا قد قتل الخوارزميين وحدهم ، فإن خوارزم شاه صمم على قتل كل من في خوارزم من الغرباء ! . . ولكن أمه حالت بينه وبين ذلك ، وقالت له : إن هذا البلد قد أتاه الناس من أقطار الأرض ، ولم يرض كلهم بما كان من هذا الرجل . فأمر بقتل أهل سمرقند فنهته أمه فانتهى .
وانصرف إلى إعداد جيش لإرساله إلى ما وراء النهر ، فكلما أعد جماعة سيرها فعبرت جيحون ، وتتابع التسيير حتى عبرت جموع غفيرة ، ثم عبر هو وراءهم زاحفا بهم إلى سمرقند ، فلما وصلها بعث إلى صاحبها قائلا : قد فعلت ما لم يفعله مسلم ، واستحللت من دماء المسلمين ما لا يفعله عاقل لا مسلم ولا كافر . وقد عفا اللّه عما سلف فأخرج من البلاد وامض حيث شئت . . ولكن صاحب سمرقند رفض ذلك وبعث إليه : لا أخرج وافعل ما بدا لك .
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 156
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص١٥٦