المبحث الثالث : مناقشة حديث افتراق الأمة إلى فرق كثيرة كلها في النار إلا واحدة
تعرضنا فيما سبق إلى ركائز وحدة الأمة ، وأسس هذه الوحدة ، وتبيّن لنا من أقوال المحققين من علماء الأمة أن هذه الوحدة فرض ، وأمر محتّم لا مجال للمحيد عنه .
ولكن هذا التيار الوحدوي الجارف يصطدم بعقبة كؤود هي الحديث الذي روي بطرق عدة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، وفيه يقول : « افترقت اليهود على إحدى - أو اثنتين - وسبعين فرقة ، وتفرّقت النصارى على إحدى - أو اثنتين - وسبعين فرقة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة » .
فإن هذا الحديث يقدم مفهوما هجوميا ينسف كل دعوة إلى وحدة هذه الأمة ، والتقارب بين فرقها ومذاهبها ، فكل مذهب وفرقة تريد أن تنال هذا الشرف ، وتذهب بالسبق ، وترسخ في الأذهان أنها الفرقة الناجية ، وما عداها من تيارات إسلامية تشغل الساحة ليست إلا هباء وغثاء لا قيمة له في الدنيا والآخرة ولا يمثل الإسلام في شيء .
ولذلك كان لا بد من إعطاء هذا الحديث حقه من النقاش العلمي من حيث السند والمتن ، ونقل أقوال العلماء في التعليق عليه ، ثم الحكم عليه .
رواية الترمذي للحديث :
قال أبو عيسى : حدثنا محمود بن غيلان قال : حدثنا أبو داود الحفريّ عن سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي عن عبد اللّه بن يزيد عن عبد اللّه بن عمرو قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم : « ليأتينّ على أمّتي ما أتى على بني إسرائيل حذو