ثبت من حديث عائشة ، وميمونة ، وزيد بن أسلم ، وجابر من مرورهم من مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم مع وجود الجنابة والحيض ، ولا شك أن هذه الآثار على كثرتها ، ومنزلتها تفيد درجة من العلم أقوى مما رووا في ذلك .
كما أن الشيعة الإمامية قالوا : يجوز للجنب والحائض عند العبور في المسجد ما عدا مسجدي مكة والمدينة أن يتناول شيئا منها ، ولا يجوز أن يضع له شيئا ، واستدلوا لذلك بحديث عائشة عندما ناولت الخمرة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم من المسجد ، وبما روي عن الصادق أنه يجوز للحائض أن تأخذ من المسجد دون أن تضع ، وحجة الجمهور حديث ميمونة أنها كانت تضع له الخمرة في المسجد ، ثم لا يتبين للمتأمل أي معنى للتفريق بين وضع الأشياء في المسجد ، وتناولها منه لأن الحكم متعلق بجواز المرور والمكث ، فإذا جاز ذلك جاز لها وضع الشيء ، أو أخذه بلا حرج في ذلك .
وأما ما ذهب إليه الحنابلة من جواز المكث في المسجد للجنب إذا توضأ ، فلا يستقيم لأن الآية واضحة في منعه من المرور فضلا عن المكث والآثار الواردة في ذلك عن الصحابة لا تقوى على نسخ الآية أو تخصيصها فلا يصح اعتمادها حجة في ذلك .
يقول الإمام موفق الدين ابن قدامة : إذا توضأ الجنب فله اللبث في المسجد في قول أصحابنا وإسحاق ، وقال أكثر أهل العلم : لا يجوز للآية والخبر ، واحتج أصحابنا بما روي عن زيد بن أسلم أن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم كانوا يفعلون ذلك فيكون إجماعا يخصّ به العموم ، ولأنه إذا توضأ خف حكم الحدث فأشبه التيمم عند فقد الماء « 1 » .
ولا شك أن كلامه هذا لا يقوى للنقد ، فالإجماع غير حاصل ؛ بل لا يسمى هذا اتفاقا ، ولا بد من ثبوت الإجماع بطريق صحيح ، ثم كيف يسمى إجماعا والجمهور على خلافه ولم يقل به إلا أحمد بن حنبل وإسحاق ؟ ! .
هامش
( 1 ) - ( المغني ) لابن قدامة ، 1 / 137 .