ثم عاد فدعاه إلى ذلك أكبر قائد عسكري في ثورة العباسيين ، وهو أبو مسلم الخراساني ، فكتب إلى الإمام جعفر كتابا قال فيه :
إني قد أظهرت الكلمة ودعوت الناس عن موالاة بني أمية إلى موالاة أهل البيت ، فإن رغبت فلا مزيد عليك . فأجابه الإمام جعفر : ما أنت من رجالي ، ولا الزمان زماني « 1 » .
وبهذا التصرف ندرك عمق الفهم ، الذي تحلى به الإمام جعفر والذي أهله لهذه المنزلة العظيمة في القيادة الروحية والعلمية للمسلمين في تلك الفترة .
محنته في زمن أبي جعفر المنصور :
كان أبو جعفر المنصور قد بايع لمحمد النفس الزكية قبل زوال دولة بني أمية ، وكان ذلك بشهادة الهاشميين ، ومنهم الإمام جعفر الصادق ، وكان يعرف منزلة الإمام جعفر بين أهل المدينة ، وطاعة أهلها له ، فلما تغلب العباسيون على الخلافة أرسل إليه وأراد قتله ، فلما أقبل عليه هابه أبو جعفر المنصور ، وقام احتراما وتكرمة له ، وقال له : مرحبا بالنّقي الساحة ، البرئ من الدّغل والخيانة ، مرحبا بأخي وابن عمي ، ثم أقعده على سريره معه ، وأقبل عليه بوجهه فسأله عن حاله ، ثم سأله عن حاجة يقضيها له ، فقال الإمام جعفر :
إن أهل مكة والمدينة قد تأخر عليهم عطاؤهم ، فأمر لهم به .
فقال له أبو جعفر : أفعل ، ثم دعا أبو جعفر بغالية - نوع ثمين من الطّيب - فأهداه له ، ثم انصرف الإمام جعفر .
فتبعه من جاء به من المدينة فقال له : يا ابن رسول اللّه ، لقد أتيت بك وأنا لا أشكّ أنه قاتلك ، ثم كان منه ما رأيت ، ولقد رأيتك تحرك شفتيك بشيء قبل دخولك فما هو ؟
هامش
( 1 ) - ( الملل والنحل ) للشهرستاني 1 / 154 .