ثم ولي الأمر من بعده عمر بن الخطاب ، واستأمر في ذلك الناس ، فمنهم من رضي ومنهم من كره ، فكنت ممن رضي . فو اللّه ما فارق عمر الدنيا حتى رضي من كان له كارها .
فأقام الأمر على منهاج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم وصاحبه ، يتبع آثارهما كما يتبع الفصيل « 1 » أثر أمه .
وكان - واللّه - خير من بقي ، رفيقا رحيما ، وناصر المظلوم على الظالم .
ثم ضرب اللّه بالحق على لسانه حتى رأينا أن ملكا ينطق على لسانه ، وأعز اللّه بإسلامه الإسلام ، وجعل هجرته للدين قواما ، وقذف في قلوب المؤمنين الحب له ، وفي قلوب المنافقين الرهبة له ، شبّهه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم بجبريل فظا غليظا على الأعداء ، وبنوح حنقا ومغتاظا على الكافرين . فمن لكم بمثلهما ؟ لا يبلغ مبلغهما إلا بالحبّ لهما واتباع آثارهما ، فمن أحبهما فقد أحبني ، ومن أبغضهما فقد أبغضني وأنا منه بريء . ولو كنت تقدمت في أمرهما لعاقبت أشد العقوبة ، فمن أتيت به بعد مقامي هذا فعليه ما على المفتري . ألا وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر ثم اللّه أعلم بالخير أين هو . أقول قولي هذا ويغفر اللّه لي ولك « 2 » .
وقد رويت آثار عن علي كرم اللّه وجهه في فضل أبي بكر منها ما رواه عن علي كرم اللّه وجهه قال : ما مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم حتى عرفنا أن أفضلنا بعد رسول اللّه أبو بكر « 3 » .
وقد جاء في تفسير قوله تعالى :
رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ
[ سورة النمل : 27 / 19 ] عن علي رضي الله عنه أن الآية نزلت في أبي بكر أسلم أبواه جميعا ، ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم أبواه غيره « 4 » .
هامش
( 1 ) - الفصيل : ولد الناقة .
( 2 ) - ( كنز العمال ) للهندي ، الحديث رقم ( 36145 ) . وعزاه إلى خيثمة واللالكائي وابن منده في تاريخ أصفهان .
( 3 ) - ( السنة ) لابن أبي عاصم 2 / 569 .
( 4 ) - ( السنة ) لابن أبي عاصم 2 / 569 ، والحديث عنده بروايات كثيرة في باب ( ما روي عن علي من تفضيله أبي بكر وعمر ) ، وهو أيضا عند ابن عساكر ، انظر ( كنز العمال ) للهندي ، الحديث رقم ( 36084 ) .