معسكرا في المدائن إذ صاح في الناس صائح : ألا إن قيس بن سعد قد قتل ، فثار الناس ، فانتهبوا أمتعة بعضهم بعضا حتى انتهبوا سرادق الحسن بن علي ، حتى نازعوه بساطا كان جالسا عليه ، وطعنه بعضهم حين ركب حتى أسقطه ؛ فكرههم الحسن كراهية شديدة ، وعلم أن جيشه الذي معه متفرق الأهواء يقاتل للدنيا لا للدين ، ولقد كان هذا بلاء علي رضي الله عنه في جيشه « 1 » .
وروي أن الحسن رضي الله عنه قام خطيبا في شيعته بعد مقتل أبيه فقال بعد حمد اللّه عز وجل :
إنّا واللّه ما ثنانا عن أهل الشام شك ولا ندم ، وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر ، فشيبت السلامة بالعداوة ، والصبر بالجزع ، وكنتم مبتدئين إلى صفكم ودينكم أمام دنياكم ، فأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم ، ألا وإنّا لكم كما كنا ، ولستم لنا كما كنتم ، ألا وقد أصبحتم بين قتيلين : قتيل بصفين تبكون له ، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره ، فأما الباقي فخاذل ، وأما الباكي فثائر ، ألا وإن معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة فإن أردتم الموت رددناه عليه ، وحاكمناه إلى اللّه عز وجل بظبا السيوف ، وإن أردتم الحياة قبلنا وأخذنا لكم الرضا .
فناداه القوم من كل جانب : التقية ، التقية .
وروي أنه بينما هو ساجد إذ وجأه إنسان في وركه ؛ فمرض منها شهرين ، فلما برأ خطب الناس بعد مقتل علي فقال : يا أيها الناس إنما نحن أمراؤكم ضيفانكم ، ونحن أهل البيت الذين قال اللّه عز وجل إنه أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، فكررها حتى ما بقي في المسجد أحد إلا هو يحنّ بكاء .
وروي أن الحسن بن علي جمع رؤوس أهل العراق في قصر المدائن فقال : يا أهل
هامش
( 1 ) - ( الإرشاد ) للمفيد ص 190 .