وقد تطرق الإمام محمد عبده إلى إمكان وقوع الاطّلاع على الغيب والتحديث لبعض النفوس العالية فيما يمثّل تفسيرا لظاهرة التحديث ، إذ يقول في ذلك : أما أرباب النفوس العالية والعقول السامية من العرفاء ممن لم تدن مراتبهم من مراتب الأنبياء . . . فكثير منهم نال حظه من الأنس بما يقارب تلك الحال [ أي حال تلقّي الأنبياء للوحي والاطّلاع على الغيب ] في النوع أو الجنس ، لهم مشارفة في بعض أحوالهم على شيء من عالم الغيب ولهم مشاهد صحيحة في عالم المثال لا تنكر عليهم لتحقق حقائقها في الواقع . . . « 1 » .
وقد جعل علامة صحة ما يتحدث به هؤلاء ما اقترب فيه مع ابن تيمية حيث أن علاماتهم عنده ( ظهور الأثر الصالح منهم ، وسلامة أعمالهم مما يخالف شرائع أنبيائهم ، وطهارة فطرهم مما ينكره العقل الصحيح أو يمجّه الذوق السليم ) « 1 » .
ويرى السيد الطباطبائي أن علامة التحديث ومعرفة المحدّث أن ما يحدّث به عن الملائكة ، أن المحدّث يعلم ذلك ( بتأييد من اللَّه تعالى وتسديد [ وأنه يعطى ] السكينة والوقار ) « 3 » كما جاءت بذلك الروايات ومنها . .
ما رواه محمد بن مسلم قال : ذكر المحدّث عند أبي عبد اللَّه عليه السلام فقال : إنه يسمع الصوت ولا يرى الشخص ، فقلت : جعلت فداك كيف يعلم أنه كلام الملك ؟ قال : إنه يعطى السكينة والوقار حتى يعلم أنه كلام الملك « 4 » .
ومن خلال النظر في العناصر التي يقول بها الاتجاهان المختلفان في التحديث لا نجد بينهما اختلافا إلا ما كان في طريقة التعبير ، إذ يصب فهم كل منهما له في مجرى واحد ويجمع بين قوليهما إن التحديث نوع من المعرفة الإلهامية تشترك مع الوحي في مصدرها من كونها من اللَّه تعالى ، وفي بعض العناصر في طريقة تلقيها كالخفاء في الإلقاء والخفاء عن غير المحدّث .
ولا شك أن التحديث بهذه الحدود والعناصر إنما يمثل شكلا من أشكال الوحي بمعناه العام وفي حدود المعاني اللغوية بالذات ، ويتسق هذا مع إطلاق الوحي في القرآن الكريم على ما كان لغير الأنبياء كالحواريين وأم موسى وغيرهم .
هامش
( 1 ) الأعمال الكاملة ( 3 / 418 ) الإصلاح الفكري والتربوي والإلهيات .
( 3 ) الميزان ( 3 / 220 ) .
( 4 ) الكليني : الكافي ( الأصول ) ( 1 / 271 ) .