فخلاصة القول أن هذا المبحث في عرضه للوحي عند المتكلمين يكمل ما برز هناك من آراء واتجاهات حول الوحي في القرآن الكريم من حيث المصدر والمتلقي .
وبحث المتكلمون في الوحي من حيث هو ظاهرة دينية يتلقى من خلالها النبي الغيب والتشريع مع بعض مظاهره مما كان لغير الأنبياء نجده متمثلا في مواضيع عديدة تناولها المتكلمون ، لذلك سيحاول البحث هنا استشفاف ملامح التصور الكلامي الإسلامي للوحي من خلال تلك المواضيع والارتباطات المختلفة ، ويتمثل ذلك في النقاط الواردة في مواضيع هذا المبحث .
أولا - الكلام الإلهي
: كانت هذه المسألة إحدى أهم المسائل التي تطرق إليها البحث الكلامي الإسلامي ، حتى أن بعض الباحثين يرى أن تسمية علم الكلام جاءت من كون أهم المسائل التي بحثها هي الكلام الإلهي . وهي مسألة أثارت الكثير من الجدل والخلاف بين الاتجاهات المختلفة ، وبرز ذلك على أشدّه في العصر العباسي بظهور مسألة أخرى مرتبطة بالكلام الإلهي هي القول بخلق القرآن والتي ارتبطت بها المحنة المشهورة .
فأما كلامه تعالى فإن جميع الاتجاهات الفكرية الإسلامية متفقة على القول أنه تعالى متكلم « 1 » ، إلا أنهم اختلفوا في حقيقة هذا الكلام .
فقد أجمع أهل السنة على أن كلامه تعالى هو علمه ، وأنه ليس غيره وهو ليس بمخلوق ، وعلى رأس من قال بذلك الإمام أحمد بن حنبل ( ت 241 ه / 855 م ) « 2 » .
ومن أهم ما استدلوا به أنه تعالى لا يشبه شيء من خلقه . . فلما كان كلامنا غيرنا وكان مخلوقا وجب ضرورة أن يكون كلام اللَّه تعالى ليس مخلوقا وليس غير اللَّه تعالى « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر ابن حزم : الفصل في الملل ( 3 / 5 ) ، القاضي عبد الجبار : المغني في أبواب التوحيد والعدل ( 7 / 61 ) الشركة العربية للطباعة والنشر - القاهرة ط 1 ( 1380 ه / 1961 م ) ، الباقلاني :
الإنصاف ( ص 26 ) ، الطوسي الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد ( ص 60 ) جمعية منتدى النشر ، مطبعة الآداب - النجف ( 1399 ه / 1979 م ) .
( 2 ) انظر ابن حزم : الفصل في الملل ( 3 / 5 ) .