وأما ما كان بواسطة فليس بعلم لدني ، لأن العلم اللدني هو ما ينفتح في سر القلب من غير سبب مألوف من خارج « 1 » .
فهو يحصل بسريان نور الإلهام وهو : تنبيه النفس الكلية للنفس الجزئية الإنسانية على قدر إصغائها وقبولها وقوة استعدادها الاستعداد الخاص الذي يستفيده الغزالي من خلال الآية الكريمة :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
[ الشمس : 7 ] فإن هذا الرجوع ( التسوية ) لا يكون إلا بثلاثة أوجه « 2 » :
أحدها : تحصيل العلوم وأخذ الحظ الأوفر من أكثرها .
الثاني : الرياضة الصادقة والمراقبة الصحيحة التي يراها طريقا موصلا بدليل إشارة الرسول صلّى اللَّه عليه وسلم إلى ذلك
بقوله صلّى اللَّه عليه وسلم : « من عمل بما علم أورثه اللَّه علم ما لم يعلم » .
الثالث : التفكر ، فإن النفس إذا تعلمت وارتاضت بالعلم ثم تتفكر في معلوماتها بشروط التفكر ينفتح عليها أبواب الربح .
فالمتفكر إذا سلك طريق الصواب يصير من ذوي الألباب وتنفتح روزنة من عالم الغيب في قلبه عالما كاملا عاقلا ملهما مؤيدا .
وما يحصل من هذا العلم في النفس إنما هو الحكمة الحقيقية التي لا يبلغها العبد ما لم يبلغ تلك المرتبة من العلوم ، وهو يسوق استدلالا على هذه المفاهيم والحدود التي يضعها للعلم اللدني أدلة واستشهادات يجدها ممثلة لتصور كامل عن العلم اللدني ، من ذلك ما روي عن الإمام علي بن أبي طالب - عليه السلام - الذي نجده عند الغزالي أقوى مثال يتحدث عنه في بيان العلم اللدني وعناصره وأبعاده ومن تلك الاستشهادات « 3 » :
قوله - عليه السلام ( أدخلت لساني في فمي فانفتح في قلبي ألف باب من العلم مع كل باب ألف باب )
.
وقوله - عليه السلام ( لو ثنيت لي الوسادة . . لحكمت لأهل التوراة بتوراتهم ولأهل الإنجيل بإنجيلهم ولأهل القرآن بقرآنهم ) .
و
قوله - عليه السلام - ( إن كتاب موسى وشرحه أربعون حملا فلو يأذن اللَّه في شرح معاني الفاتح لأشرع [ لأشرعنّ ] فيها حتى تبلغ مثل ذلك ) .
هامش
( 1 ) إحياء علوم الدين مجلد 3 ( 8 / 43 ) .
( 2 ) انظر الرسالة اللدنية مجموعة 3 ( ص 110 - 111 ) .
( 3 ) الرسالة اللدنية مجموعة 3 ( ص 106 ) وما بعدها .