بعلمهم يستعملون فمتى ضلوا عن طريق هذه العلوم أو أخطئوا فإن صاحب العلم اللدني يردهم إلى المحجة ) « 1 » . لأنه تعالى إنما علّمه ذلك العلم ليكون دليلا لعلماء الوسائط .
وطريق حصول هذا العلم اللدني هو طريق العلم الصوفي عموما ، ويحدده الجنيد بأنه يقع للعبد إذا زمّ جوارحه عن جميع المخالفات ، وأفنى حركاته عن كل الإرادات ، وكان شبحا بين يدي الحق تعالى بلا تمييز ولا مراد ) « 1 » .
وقطعية هذا العلم عنده يقينية ، فإنه صورة عن مكنون الغيب لا تحتمل الظن ولا الخلاف ، فهو محكّم على الأسرار وما هو إلا مكاشفات الأنوار عن مكنون الغيب ) « 1 » .
فلا احتمالية ولا طريق للشك فيه ، إنما هو انعكاس نفس صورة الغيب .
وأما حصوله فلا وساطة فيه ، إذ انعدمت الوسائط جميعا قال ابن عطاء :
( علمناه من لدنا علما ) أي : ( بلا واسطة الكشوف ولا بتلقين الحروف لكنه الملقى إليه بمشاهدة الأرواح ) « 1 » . وهذا ما عليه أغلب الصوفية « 1 » .
إلا أن التستري ، سهل بن عبد اللَّه بن يونس بن عيسى ( ت 283 ه / 896 م ) يخالف في ذلك إذ يدرجه ضمن العلوم التي تكون بواسطة ، ومعنى الواسطة هنا ما يكون في الإلقاء والتوصيل ، فالعلوم عنده سبعة : ثلاثة بمكاشفة بلا واسطة ، وأربعة بواسطة ، وهذه الأربعة بواسطة هي : العلم اللدني والعلم العندي وعلم التجلي وعلم الوحي « 6 » .
وهذا ما اختلف معه القشيري إذ يرى أن وسيلة العلم اللدني هي الإلهام فهو إنما يحصل له ( من لدن اللَّه بطريق الإلهام دون التكلف بالتطلب ) « 7 » .
وهو ما يؤكده الغزالي الذي خص هذا العلم برسالة من رسائله ، إذ يرى أن العلوم اللدنية هي العلوم الحاصلة عن الإلهام . وذلك بأن تلقى ( بلا واسطة بين النفس وبين الباري ، وإنما هو كالضوء من سراج الغيب يقع على القلب صاف فارغ لطيف ) « 8 » .
هامش
( 1 ) انظر السلمي : حقائق التفسير ورقة ( 167 ) .
( 6 ) المكي : علم القلوب ( 84 - 85 ) .
( 7 ) لطائف الإشارات ( 4 / 79 ) .
( 8 ) الرسالة اللدنية ( رسائل الإمام الغزالي ) مجموعة 3 ( ص 105 ) .