فموسى مع علمه الظاهر ذاك اتبع الخضر - عليهما السلام - الذي له العلم اللدني الباطن وعلم ما لم يعلمه بعلمه الظاهر .
بهذا المفهوم احتل الخضر على الدوام مكانة ورتبة خاصة في الفكر الصوفي حيث اعتبروه قطبا من أقطابهم « 1 » .
وهذه الأفضلية لعلم الخضر على علم موسى - عليهما السلام - لم ينفرد بها الصوفية بل قالت بها اتجاهات تفسيرية مختلفة إذ نقل الطبرسي في تفسيره أن الخضر - عليه السلام - كان ملكا أمر تعالى موسى أن يأخذ عنه ما حمّله إياه من علم بواطن الأشياء « 2 » .
ونقل عن ابن الإخشيد أن هذا العبد الصالح أودع من علم باطن الأمور ما لم يودعه غيره « 2 » .
وأكد الإمام جعفر الصادق - عليه السلام - هذه الخصوصية في علم الخضر على علم موسى - عليهما السلام - وافتراقه عنه ، إذ
يقول الإمام - عليه السلام - ( كان عنده علم لم يكتب لموسى في الألواح وكان يظن أن جميع العلم قد كتب له في الألواح ) « 2 » .
وبهذه الخصوصية والرتبة يرى الصوفية أن الخضر - عليه السلام - في لقائه مع موسى نبهه إلى باطن أفعاله بما قام به هو نفسه من الأفعال التي يدل ظاهرها على الهلاك دون باطنها ، ثم شرح له الحكمة في كل منها ليظهر له مقامه في الولاية ، ويبيّن له الفرق بين العلم الذوقي الباطن وعلم الظاهر « 5 » .
وإذا كان للعلم اللدني سيادة وأفضلية على العلم الظاهر فسيادته على العلوم الأخرى أوضح ، إذ أن صاحب العلم اللدني يرد أصحاب العلوم الأخرى إلى المحجة لو ضلوا عن طريقها .
يقول ذو النون المصري : ( إن اللَّه تعالى يبسط العلم ولم يقبض ، ودعا الخلق إليه من طرق كثيرة ولكل طريق منها علم منفرد . . ولكل أهل طريق منها علم ، فهم
هامش
( 1 ) المصدر السابق .
( 2 ) مجمع البيان ( 6 / 483 ) .
( 5 ) فصوص الحكم ( 2 / 306 ) .