فاتصال العبد بالحق لا يكون إلا بسلوك هذا الطريق لأن في ذلك ( إخفاء الحواس التي تعوق هذا الاتصال ) « 1 » .
ويعبر الواسطي عن هذا العائق الحاجب متمثلا بالحواس بكل معانيها بأنه الصفة البشرية ، فهو - كما سبقت الإشارة - يرى أنه لا اتصال للعبد ولا تكليم مع الحق ( حتى ينزع عنه أوصاف البشرية ويحليه بحلية الاختصاص ، حينئذ يكلّم شفاها ) « 2 » .
ويصف السهروردي بعض ملامح الطريق الصوفي وما يوصل إليه من الغايات الكبرى بقوله : ( إن أرباب الرياضة إذا حصل لهم العلوم وفكروا في معلوماتها في مسبب الأسباب وما دونه من مبدعاته فكرا لطيفا وتضعف [ ضعفت ] قواهم [ البدنية ] بتقليل الغذاء ، فيوافق فكرهم بالقلب ذكرهم باللسان ، وتارة يستعينون بنفحة خفيفة وبروائح طيبة وبرؤية أمور متناسبة فيحصل لهم أنوار روحانية حتى يصير ذلك ملكة ويصير سكينة فيظهر لهم أمور غيبية وتتصل بها النفس اتصالا روحانيا . . . فطوبى لمن أدرك نفسه قبل الموت وحصل لنفسه في الدنيا درجة يلتذّ بها في دار الفناء ويفرح بها في دار البقاء ) « 3 » .
فالطريق عند السهروردي هو تخليص النفس من عوائقها ، فإنها إذا كان لها ذلك استطاعت إدراك المدركات المجردة لأنها من جنسها إذ هي من عالم المجردات .
والتخلص من شواغل الحواس الظاهرة يكون ( إما بسبب النوم ، أو بسبب تعطلها لضعفها ، أو في حالة مجاهدته ورياضته للارتفاع بنفسه عن كدورات الحس ) « 4 » .
وأما كيف تتهيأ النفس لنيل لذة الاتصال وإشراق الأنوار الإلهية عليها فإن المجاهدة والرياضة النفسية ( تخرج منها الإرادة قوية مسيطرة تعمل على رفع حجب الحس والضغط على قوى البدن ) « 4 » .
ويقدم الغزالي صورة الطريق الصوفي بتفاصيل سلوك السالك فيه ، إذ عليه
هامش
( 1 ) أبو ريان : أصول الفلسفة الإشراقية ( ص 305 ) .
( 2 ) تفسير الحقائق : ورقة ( 293 ) .
( 3 ) رسالة في اعتقاد الحكماء ( ص 271 ) .
( 4 ) أبو ريان : أصول الفلسفة الإشراقية ( ص 305 ) .