ولقلب العارف - الذي يمثل عند الصوفية ( الإنسان الكامل ) الذي تحققت فيه كل صفات الوجود - احتواء الحق ، فهو بهذا كما يرى ابن عربي أوسع حتى من رحمته تعالى لأنه وسع الحق ذاته بدليل
قوله تعالى في الحديث القدسي « ما وسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن » « 1 » .
والصوفية يرون في هذه الصلة للقلب بالاعتقادات أنه في الحقيقة هيولى الاعتقادات كلها ، ذلك أن قلب العارف يشاهد الحق في كل شيء ويعبده في كل صورة وهو المرآة التي ينعكس فيها الحق فيشاهده ) « 2 » .
ولكي يجمع ابن عربي للقلب صور الإدراكات المختلفة لإثبات هذه السعة يؤكد أن القلب والروع والفؤاد كلها مسميات لمعنى واحد تشكل جميعا محلا للوحي « 3 » .
وهو تمشيا مع فلسفته في وحدة الوجود وانطلاقا من قيام الفكر الصوفي على القول بالمعاني الباطنية واللجوء إلى التأويل الرمزي يرى أن القلب هو الطور الذي واعد اللَّه موسى عنده ، ما دام الوحي والتكليم أمرا قلبيا داخليا نفسيا فالطور في قوله تعالى :
وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ . .
[ طه : 80 ] . هو طور القلب الأيمن الذي يلي روح القدس « 3 » .
وهذا المعنى والوصف للقلب بالطور يكاد يكون مفهوما صوفيا عاما إذ نجد له جذورا عند الحلاج الذي يعبر عنه شعرا بقوله « 5 » :
باللَّه ينفخ نفخ الروح في خلدي * لخاطري ينفخ نفخ إسرافيل في الصور
إذا تجلّى بطوري أن يكلّمني * رأيت في غيبتي موسى على الطور
فالقلب هنا محلّ للتجلّي الإلهي مثلما هو خزانة للعلم الإلهي .
ولا شكّ أن القلب في حدود هذه العضلة أو المضغة الصنوبرية الكامنة في بدن الإنسان لا يحتمل بهذا التحديد ما يحمّله إياه الصوفية إلا لو أريد به مفاهيم أخرى .
هامش
( 1 ) فصوص الحكم ( 2 / 140 ) .
( 2 ) فصوص الحكم ( 2 / 142 ) .
( 3 ) تفسير القرآن الكريم ( 2 / 53 ) .
( 5 ) أخبار الحلاج ( ص 26 ) .