وهذه هي حقيقة الأمر وهو ما يؤكده د . أبو العلا عفيفي إذ يستخلص من الفكر الصوفي أن المراد بالقلب ليس تلك المضغة الكامنة في صدر الإنسان وإن اتصلت به اتصالا لا يعرف كنهه ، وإنما المراد به في الحقيقة القوة الخفية التي تدرك الحقائق الإلهية إدراكا واضحا جليا لا يخالطه شك « 1 » .
رابعا - طريق المعرفة الذوقية
: إذا كان علم النبوة ( العلم الظاهر ) يتحصل للنبي من طريق الوحي دونما حاجة إلى الاستعدادات بل يكون بالاصطفاء والاختيار الإلهي الذي لا دور للنبي فيه ، فإن العلوم الصوفية التي يعبرون عنها بالقلبية والإلهامية والذوقية . . إلخ ، لا تأتي بالنظر والاستدلال العقلي كالعلم الإنساني العام ، ولا تكون عن الوحي بنفس طريق النبي إليه وإنما هي عندهم معارف حقة كالوحي من حيث يقينها لا من حيث طريقها .
ولأن المعرفة كامنة في القلب فإن فيضها وانبثاقها لا يكون إلا بخلوص القلب للّه وحده ، وهذه غاية يسعى الصوفي إليها ، وهذا الخلوص يكون ( بتخليص القلب من الأوهام بطرد كل خاطر يتصل بما سوى اللَّه ) « 2 » .
وهذه مرحلة أساسية يمر بها الصوفي في طريقه إلى اللَّه ، فالقلب محجوب عن الحق مشغول بسواه ، تتنازعه العوامل المادية وعوامل العقل فيكون للشيطان - العدو بالتعبير الصوفي - إليه سبيل .
فالسالك في الطريق الصوفي عليه أن يمحّص حياته في تدبير الوسائل التي يقهر بها شيطان النفس ليستعد للكشف الإلهي والتوحد مع الحق .
فالطريق عند الصوفية يمثّل وسيلة الوصول إلى المعرفة ويقوم على أساس مجاهدة النفس وتصفيتها لإزالة الحجاب الذي يحول دون سطوح الأنوار الإلهية بالكشف ، والنفس بذاتها هي الحجاب الذي لا سطوع لتلك الأنوار إلا بإزالته ولا يكون ذلك إلا بمجاهدته . يقول الغزالي مبيّنا الطريق للسالك لطريق التصوف ( إذا لم تقتل النفس بصدق المجاهدة فلن يحيا قلبك بنور المعرفة ) « 3 » .
هامش
( 1 ) فصوص الحكم ( 2 / 139 ) التعليقات .
( 2 ) المصدر السابق ( 2 / 137 ) .
( 3 ) الغزالي : أيها الولد ( رسالة ) ( ص 27 ) تقديم جورج شيرر اللجنة الدولية لترجمة الروائع ، بيروت - ط 2 ( 1959 م ) .