وتابعهم في ذلك من تأخر عنهم كالزمخشري « 1 » والفخر الرازي « 2 » وغيرهما .
وذهب السيد الطباطبائي إلى أن المراد في الآيتين واحد ، وأن من نزل عليها من الملائكة في الآيتين هو جبريل عليه السلام وحده ، والبشارة في الأولى قصد بها ما جاء في الثانية من اصطفائها لولادة عيسى عليه السلام « 3 » .
وخلاصة القول من ذلك أنه يثبت لمريم عليها السلام معاينتها للملائكة ، وخطابهم لها ، والطريقة التي ظهر بها الملك لمريم عليها السلام تعبّر عنها الآية ( بالتمثل ) ، وتصف الآية ذلك بأنه ظهر لها بشرا سويا . وهذه هي المرة الأولى وتكاد تكون الوحيدة التي يرد ذكر ( التمثّل ) في القرآن الكريم ، وقد قيل في الصورة البشرية التي ظهر بها الملك لمريم عليها السلام : أنه ظهر بصورة ترب لها [ قريب أو خدن ] يدعى يوسف من خدم بيت المقدس « 4 » .
ويوسف هذا عرف في العهد الجديد ( الإنجيل ) بأنه كان خطيبها ورجلها ، ففي إنجيل متى : ( لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا ، وجدت حبلى من الروح القدس . فيوسف رجلها إذ كان بارا ولم يشأ أن يشهرها ) « 5 » .
وأما حقيقة هذا التمثل وظهور الملك بصورة بشرية فإنه لا يعني أن الملك تحول من حقيقته الملكية إلى حقيقة بشرية ، وإنما صورة ذلك أنه ظهر لمريم في صورة بشر وليس ببشر بل ( كان في حال إدراكها على صورة بشر وهو في الخارج عن إدراكها خلاف ذلك ) « 6 » .
وهذا الظهور في الصورة البشرية يرى الزمخشري أن الداعي إليه هو اطمئنانها ، لكي تستأنس بكلامه ، وتتقبل منه خطابه لأنه ( لو بدا لها في الصورة الملكية لنفرت ولم تقدر على سماع كلامه ) « 7 » .
هامش
( 1 ) انظر الكشاف ( 2 / 505 ) .
( 2 ) مفاتيح الغيب ( 21 / 97 ) .
( 3 ) انظر الميزان ( 3 / 207 ) .
( 4 ) الزمخشري : الكشاف ( 2 / 505 ) .
( 5 ) العهد الجديد ، إنجيل متى ، الإصحاح الأول : ( 19 - 20 ) .
( 6 ) الميزان ( 14 / 36 ) .
( 7 ) الكشاف ( 2 / 505 ) .