إلا أن من الممكن أن يكون احتمال شمول الآية لكلا النوعين من الرسل واردا ، خصوصا إذا علمنا أن هناك من يقرأ ( فيوحى ) على صيغة المبني للمجهول فيدخل حينئذ كلا الاحتمالين بحيث يصبح المراد بالرسول رسولان « 1 » : رسول ملكي يأخذ الوحي منه تعالى ويؤديه إلى الرسول الإنساني ، والرسول الإنساني الذي لا يوحي وإنما يبلّغ بكلام واضح .
الثاني : هو الرأي القائل بأن المراد بالرسول الذي ( يوحي بإذنه ما يشاء ) هو الملك المكلف بنقل الوحي إلى الرسول البشري من الأنبياء عليهم السلام . وقد عبر القرآن الكريم عن هذه الصورة من صور الوحي بنزول الملائكة على الأنبياء وتبليغهم بغض النظر عن المراد بهذا النزول مما اختلف فيه المفسرون ، وأكثرهم يقولون بهذا الرأي على اختلاف مناهجهم واتجاهاتهم في التفسير . ويطلق بعض الباحثين على هذا الوحي ( الوحي الجلي ) « 2 » ، لما يتضمنه من معاينة ومواجهة تتم بين النبي الموحى إليه والملك الذي يبلغ إليه الوحي . قال تعالى :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
[ النحل : 2 ] ، وقال تعالى :
ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ
[ الحجر : 8 ] ، فالملك في هذه الصورة ( رسول مشاهد ترى ذاته ويسمع كلامه ) « 3 » .
وقد حدد المفسرون المراد من الرسول في الآية على الصورة التالية : فقد ذهب مجاهد « 4 » والسدي « 5 » أن هذا الرسول هو جبريل عليه السلام حصرا . وقال البيهقي :
إنه الروح الأمين ، أرسل بالرسالة إلى من شاء من عباده « 6 » ، إلا أن مفسرين آخرين كالطوسي والزمخشري والرازي والقرطبي وابن قيم الجوزية قالوا : بأن الرسول المراد في الآية هو الرسول الملكي المرسل إلى الرسول البشري فيبلغه الوحي عن اللَّه تعالى دون أن يخصصوا هذا الملك حصرا بجبريل عليه السلام أو غيره « 7 » .
هامش
( 1 ) انظر الميزان ( 14 / 410 ) .
( 2 ) د . عبد اللَّه محمود شحاتة : القرآن والتفسير ( ص 11 ) .
( 3 ) جامع أحكام القرآن ( 16 / 53 ) .
( 4 ) انظر أمالي المرتضى ( 2 / 205 ) .
( 5 ) انظر التبيان ( 9 / 177 ) .
( 6 ) الأسماء والصفات ( ص 192 ) .
( 7 ) انظر التبيان ( 9 / 177 ) ، والكشاف ( 3 / 475 ) ، ومفاتيح الغيب ( 27 / 187 ) ، وجامع أحكام القرآن ( 16 / 53 ) ، ومدارج السالكين ( 1 / 39 ) .