أما في حدود آية الشورى فالرسول المقصود بقوله تعالى :
أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا
يرى الباقلاني أنه الرسول البشري ، وذلك بأنه تعالى : يسمع من يشاء كلامه بواسطة تبليغ الرسول أو قراءة القارئ « 1 » .
وهذا ما ذهب إليه الشيخ الطوسي أيضا ففهم من الرسول أنه الواسطة بينه تعالى وبين المكلفين ، فإضافة إلى الوحي بالكلام من وراء حجاب والوحي الذي يأتي به الملك قال الطوسي : إنّ منه ما يكون ( بتأدية الرسول إلى المكلفين من الناس ) « 2 » .
وأيد الزمخشري ذلك كما نقله عن غيره من المفسرين « 3 » . واستدل القرطبي على أن المراد بالرسول هنا هو الرسول البشري وهو النبي لا الملك أنه تعالى : ( لم يرسل ملكا بالرسالة إلى الناس ) « 4 » .
ومما يجب أن يقال إن كل رسول ونبي أرسل إلى أمة من الأمم يمكن أن ينقل إليهم ما يوحيه تعالى إليه بإذنه ، ولكن من التأويل البعيد أن يكون المراد تحديدا بالرسول في قوله تعالى :
أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا
هو الرسول البشري المبعوث إلى أمة معينة . ومما يستدل به على كون ذلك بعيدا :
إن هذه الآية في سورة الشورى في مقام بيان طرق التكليم ( الوحي ) الإلهي للبشر على سبيل الحصر والتحديد الحاسم ، بدليل استخدام أداة الحصر ( إلا ) مما يعني أنه لا يمكن أن يكون هناك وحي إلهي إلا وهو واقع ضمن أحد هذه الصور .
فإذا كان المراد بالصورة الأولى بالوحي هو الإلهام والقذف في الروع . . إلخ ، وبالصورة الثانية خصوص التكليم من وراء حجاب مما كان لموسى عليه السلام ونبينا صلّى اللَّه عليه وسلّم فيما انتفى فيه الحجاب ، فإن القول بأن المراد بالرسول في قوله عن الصورة الثالثة
أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا
بأنه مخاطبة الأنبياء لأممهم أو قراءة قراء الوحي على الناس يخرج من طرق الوحي - لأن الآية في مقام الحصر - أهم تلك الصور على الإطلاق وأكثرها ورودا في الوحي الإلهي إلى الأنبياء عليهم السلام وهي الوحي بنزول الملك والتي لا يمكن أن تضرب الآية عنها صفحا ولا تشملها بالتحديد ، وهي الطريقة التي نزل بها أساس ما وصل إلينا من وحي إلهي على الإطلاق ، وهو القرآن الكريم .
هامش
( 1 ) الإنصاف ( ص 95 ) .
( 2 ) التبيان ( 9 / 177 ) .
( 3 ) الكشاف ( 3 / 475 ) .
( 4 ) جامع أحكام القرآن ( 16 / 54 ) .