النبي موسى عليه السلام قال ابن حزم بكون هذا التكليم للملائكة كما كان لبعض الرسل كنبينا محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم « 1 » ، وهذا ما أيده الطبرسي مستدلا على تكليمه تعالى للملائكة بهذه الصورة أن الآية خصت الاصطفاء بالتكليم لموسى من بين الناس ، فالملائكة يكلمون بمثل ما كلم موسى على الطور وكما كلم نبينا صلّى اللَّه عليه وسلّم عند سدرة المنتهى « 2 » .
وفي الرواية عن الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم أنه سئل عن آدم عليه السلام أنبيّ مرسل هو ؟
فأجاب صلّى اللَّه عليه وسلّم : « نعم نبي مكلّم »
. وقد تأول بعض المفسرين هذا الحديث فقالوا إن خصوصية التكليم تبقى لموسى عليه السلام ، ( لأن تكليم آدم كان في الجنة ) « 3 » .
ويبدو أن ما يدفع المفسرين إلى القول بحصول التكليم لغير موسى دلالة الآيتين الكريمتين :
1 - قوله تعالى :
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ
[ البقرة : 253 ] . فيستدلون بالعموم في قوله :
مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ
وإن موسى لم يذكر وحده .
2 - قوله تعالى :
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
[ النجم : 8 - 10 ] . إذ يستدل المفسرون بهذه الآية على أنه تعالى كلم نبينا محمدا صلّى اللَّه عليه وسلّم تكليما مباشرا عند سدرة المنتهى ، وفسروا الدنو التدلي في الآية أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم دنا وتدلى من ربه فأوحى اللَّه تعالى إليه ما أوحى « 4 » .
وذهب الباقلاني إلى أن تكليمه تعالى لنبينا صلّى اللَّه عليه وسلّم ليلة المعراج أخص وأعلى مرتبة من تكليمه لموسى لأنه ( أسمعه كلامه تلك الليلة بغير واسطة ولا حجاب ) « 5 » .
وهذا ما يميل إليه الباحث ، فإن تكليم موسى تمثل فيه الحجاب الذي يمثل نوعا من أنواع الواسطة في التكليم ، إذ يسمع موسى الكلام من وراء ذلك الحجاب ، بينما انعدمت الوسائط بين اللَّه تعالى ورسوله في تكليمه له ليلة المعراج .
وهنا تبقى خصوصية التكليم من وراء حجاب لموسى كما تثبت خصوصية
هامش
( 1 ) انظر الفصل ( 3 / 13 ) .
( 2 ) مجمع البيان ( 9 / 476 ) .
( 3 ) جامع أحكام القرآن ( 3 / 264 ) .
( 4 ) انظر ابن حزم : الفصل ( 3 / 13 ) ، ومجمع البيان ( 9 / 476 ) ، ومفاتيح الغيب ( 6 / 216 ) .
( 5 ) الباقلاني : الإنصاف ( 95 ) .