وهو توكيد لفظي مؤكد لحدوث الفعل ، إضافة إلى أنه مفيد لتحقيق النسبة ورفع توهم المجاز ، قال الفراء : العرب تسمي ما يوصل للإنسان كلاما بأي طريق وصل ولكن لا تحققه بالمصدر ، فإذا حققته بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام « 1 » .
كما أن هذا التحديد والتوكيد مبعد لاحتمالات أن يكون الكلام بالإلهام أو الإشارة أو القذف في الروع أو أي شيء غير التكليم ، فنص الآية واضح الدلالة على أن المراد ( أن هذا الكلام هو من جنس الكلام المعقول لدينا الذي يشتق من التكلم ، على خلاف ما قال به بعض المفسرين والمتكلمين « 2 » ، وكون التكليم من وراء حجاب من جنس الكلام المعقول لدينا ، لا يقصد به أنه من نوع كلامنا ، وإنما هو تكليم على نحو خاص ، لأن الكلام لا يصدر عنه تعالى عن حد ما يصدر منا ، بخروج الصوت من الحنجرة واعتماده على مقاطع النفس مع ما ينظم إليه من دلالة اعتبارية وضعية متعارف عليها ، وذلك لأنه تعالى غني عن ذلك ، فهو أجلّ شأنا وأنزه ساحة من أن يتجهز بالتجهيزات الجسمانية أو يستكمل بالدعاوى الوهمية الاعتبارية ) « 3 » .
قال تعالى :
. . لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ . .
[ الشورى : 11 ] .
وقد أكد الإمام علي عليه السلام هذا المعنى في
قوله : ( لا يشبه شيء من كلامه تعالى كلام البشر ، فكلام اللَّه تبارك وتعالى صفته ، وكلام البشر أفعالهم ، فلا تشبه كلام اللَّه بكلام البشر فتهلك وتضل ) « 4 » .
أما الحجاب الذي يكون التكليم من ورائه ، فيكاد يكون أهم أسباب الخلاف في مسائل التجسيم والرؤية ، وتكاد الآراء فيه تتبلور في ما يلي :
1 - من المفسرين من ذهب إلى أن المراد بالحجاب في الآية أن يكون الكلام مخصوصا بالمكلم وحده ، ومحجوبا عن غيره .
قال السدي : ( من وراء حجاب ) ، أن يحجبه عن إدراك جميع الخلق ، إلا عن المكلّم الذي يسمعه « 5 » . وأيد الجبائي ذلك ، واستدل عليه بتكليم موسى عليه
هامش
( 1 ) انظر ابن قيم الجوزية ، مدارج السالكين ( 1 / 37 ) .
( 2 ) انظر التبيان ( 3 / 394 ) .
( 3 ) الطباطبائي : الميزان ( 2 / 331 ) .
( 4 ) انظر الصدوق : التوحيد ( ص 264 ) .
( 5 ) التبيان ( 9 / 177 ) .