والدليل الأصولي ، وكثيرا ما كان يعرض للفقه المقارن ، ومسائل الخلاف وغيرها من المصادر وأدوات الترجيح ، بخاصة المصادر المالكية التي تبدو واضحة بجانب معظم المسائل الفقهية الراجحة عنده « 1 » .
ظاهرة التعصب للمالكية عند ابن العربي :
وتبدو هذه الظاهرة واضحة في كتابه أحكام القرآن ، وأمثلتها كثيرة يمكن الوقوف عليها في مواضع متعددة من كتابه ، ومن ذلك على سبيل المثال :
عند تفسير قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ
[ المائدة : 6 ] .
يقول ابن العربي : « المسألة الثانية والأربعون في تحقيق معنى لم يتفطن له أحد ، حاشى مالك بن أنس لعظيم إمامته ، وسعة درايته ، وثاقب فطنته » « 2 » .
ولقد بلغت هذه الظاهرة عند ابن العربي ذروتها ، بحيث جعلته يرمي مخالفيه بالتهم ، ويغلظ عليهم بما لا يليق وجلالة قدرهم ومكانتهم في الشريعة ، لقد أغلظ القول على أبي حنيفة ، رضي اللّه عنه ، ووصفه بالضعف في الرأي والفقه ، والخلط بين السفه والرشد .
قال في تفسير قوله تعالى :
وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً
[ النساء : 43 ] .
قال : المسألة الثامنة والعشرون : قوله : « ماء » ، قال أبو حنيفة : هذا نفي نكرة وهو يعم لغة فيكون مفيدا جواز الوضوء بالماء المتغير وغير المتغير لانطلاق الاسم عليه . قلنا : استنوق الجمل ؛ لأنه سيستدل أصحاب أبي حنيفة باللغات ، ويقولون على ألسنة العرب ، وهم ينبذونها في أكثر المسائل بالعراء ! » « 3 » .
هامش
( 1 ) ابن العربي ، أحكام القرآن 1 / 281 ، 2 / 531 .
( 2 ) أحكام القرآن 2 / 582 .
( 3 ) المرجع السابق 1 / 446 .