تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنار في علوم القرآن — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١

المبحث الثالث لغة القرآن

إن الترابط بين القرآن واللغة ترابط شديد الصّلة ، بل ارتباط الصّفة بالموصوف التي لا تنفك عنه
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
[ الشعراء : 196 ] . فلا غرو إذا قلنا : إن التهجم على اللغة العربية هو تهجم على القرآن ، والنيل من اللغة هو نيل من القرآن ، والمحاولات والمعاول التي تهدم لغتنا إنما هي معاول هدم لقرآننا وكياننا كلّه . وقد طالعنا طالع سوء من المحدثين يزعم « أن القرآن قد حوى في آياته ألفاظا أعجمية ، فهو أعجمي مزيج من لغات شتى . . . » . هذا الزعم والادعاء في واقعه ليس بجديد ، بل هو دعوى قديمة دحضها القرآن الكريم ، واصفا إياها بأنها منطق الذين يلحدن في القرآن ، فملحدوا اليوم هم ببغاوات لملحدي الأمس ، لذا كان لزاما على من يحمل في جعبته سهاما أن يرميهم بسهمه ، وأن يرد كيدهم إلى نحورهم ، وسنحاول بعون اللّه تعالى أن نعرض لهذه القضية القديمة الحديثة في آن واحد ، وأن نرد عليهم بأدلة قاطعة ، وبراهين ساطعة ، وأن نبين زيف هذه الأفكار الغاشمة وأن نتناول فيه جانبا من الجوانب التي تعنينا في علوم القرآن تاركين الجوانب الأخرى لمن هو أهل لها . هذا الجانب يتناول قضية احتواء القرآن لألفاظ معرّبة عن أصول أعجمية ، وهي قضية استحوذت على علمائنا الأقدمين والمحدثين على حدّ سواء ، وكانت مثار اهتمامهم ، فتعددت فيها الآراء وتضاربت فيها المذاهب ما بين مثبت وناف ، والمثبتون قد اختلفوا في حصر هذه الكلمات بين مكثر ومقلّ ، فقد حصرها الإمام الغزالي في كلمتين أو ثلاث ، وحصرها تاج الدين السبكي بسبعة وعشرين لفظا ونظمها شعرا ، وزادها الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني أربعة وعشرين لفظا ونظمها شعرا أيضا ، كما زادها الإمام السيوطي بضعة وستين لفظا فتمت أكثر من مائة لفظ « 1 » .
هامش
( 1 ) انظر الإتقان في علوم القرآن والمتوكلي ومقدمة تفسير ابن جرير ص 3 .