تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
وطبق إرادة إلهية جازمة . وانظر كيف عبّر البيان القرآني عن هذا بقانون إلهي شامل يعمّ شأن الخلق والكون كله ، لكي تفهم أن تقلب حال المخلوق في الرحم ليس مردّه إلا إلى قانون تنظيمي للكون كله . * ثم تأتي الآية الثانية لتضع القاعدة العامة : عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال . غيب وشهادة : مبالغة عن غائب ومشاهد ، فالأول منهما ما لا يقع تحت إدراك شيء من الحواس ، والثاني ما يخضع لحاسّة منها . وإليهما تنقسم موجودات الكون كله . فمن أنبأك بأنه لا يؤمن إلا بما يقع تحت حسّه فاعلم أنه لا يؤمن إلا بشطر من الموجودات . غير أن الإنسان لانحباس كيانه ضمن سلطان حواس معينة محدودة لا يدرك مباشرة من الموجودات إلا ما تبصره به هذه الحواس . واللّه وحده هو الذي يستوي في علمه الغائب والمشاهد . وأنت تبصر كيف أن الآية جاءت خبرا لمبتدأ محذوف ، اقتضى حذفة التهويل والتعظيم ، إذ الآية الأولى من شأنها أن تملأ فكر القارئ المتدبر بعظمة اللّه تعالى ومظهر ربوبيته ، فالمبتدأ ماثل في الذهن لم يغب عن الخاطر والبال ، وتأتي الآية الثانية خبرا جديدا يؤكد ما استقر في الذهن من عظمة الإله جلّ جلاله . * أما الآية الثالثة ، فتجسد كلّا من الغيب والشهادة في مثالين ، وتكشف للمتأمل كيف أن المثالين والحالين مستويان في علم اللّه واطّلاعه :
سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ
. فالمثالان الأولان ، ما تسرّه من القول في نفسك وما تجهر به بلسانك ؛ إن الأمرين والحالين سواء في علم اللّه عزّ وجلّ ، إنه يسمع خلجات نفسك كما يسمع صوت كلامك . والمثالات الآخران : ذاك الذي أخفى نفسه في مكان مستور ضمن ستر آخر من ظلام الليل ، وذاك الذي يسير بارزا في طريق مكشوف تحت وضح النهار ، فليس بينهما من فرق إلا في حساب المخلوقات أما اللّه عزّ وجلّ فكلاهما في علمه سواء .