تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
ومنها ذرّات جسوم الناس بعد ضياعها في بطن الأرض أو في جوف البحار . الصفة الثانية : قدرته الباهرة وسطوته القاهرة ، اللتان بهما دخل الكون كله تحت سلطانه ، ففيم العجب من أن يعاد الناس إلى خلق جديد بعد موتهم ، وقد أخبر بذلك من خلقهم أول مرة ، ومن يعلم أين تذهب كل ذرّة من جسومهم ومن كان الكون كله داخلا تحت نطاق قدرته وسلطانه .

شرح الآيات :

* تبدأ الآية الأولى ببيان أن اللّه عزّ وجلّ لا تخفى عليه خافية ، وأنه يرى ويعلم كل غيب مجهول وكل ضائع مستور . فيجسّد حقائق الغيب في أبرز نموذج له لا يزال الإنسان يرى فيه أول مثال للمجهول الذي لا ولن يطوله علم الإنسان واطّلاعه ، وهو تخلق المولود في رحم الأنثى بدءا من أول مرحلة فيه إلى آخرها ؛ ثم يثبت البيان القرآني أن اللّه وحده المطّلع على هذا الغيب بأمره وحقيقته . وذلك كناية عن أن اللّه عزّ وجلّ مطّلع على كل غيب وخافية . إذ كان غيب ما في الأرحام أبرز نموذج لهما . ولك في تقرير هذا المعنى أن تعتبر « ما » المتكررة في الآية موصولة ومصدرية ؛ ولا ريب أن المصدرية أبلغ في الدلالة . والمهم أن تتأمل الشمول الذي يتجلى في قوله :
كُلُّ أُنْثى
: شمول بواسطة الأداة ، وشمول في تنكير الأنثى ، ثم أن تتأمل الصورة التي ترسمها في الذهن جملة
وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ
. والغيض هو النقصان ، يأتي فعله لازما ومتعديا . تقول : غاض ماء البئر وغضت من مائه ، فاللّه يعلم كل ما ينقصه الرحم أو يزيده في جثة المخلوق أو في مدة حمله له . وهو معنى واسع دلّت عليه الآية كما ترى بجملة صغيرة ذات دلالة تصويرية معينة . ولكن هل الأمر في هذا بالنسبة للّه عزّ وجلّ مجرد علم واطّلاع ؟ يجيب آخر الآية على هذا السؤال الذي يثيره أولها بقوله عزّ وجلّ : وكل شيء عنده بمقدار . فليس ما قد يتخلق في الرحم من شتى المخلوقات ، وليس ما قد يعتريه من غيض أو فيض في الجثة أو الزمان - ليس شيء من ذلك مظهرا لمصادفة أو اضطراب أو تحوّل ذاتي كما يتفق له ؛ بل كل ذلك إنما يتم وفق نظام شامل دقيق