تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
وتأمل في الطريقة التصويرية الدقيقة التي تعبّر بها الآية ! مستخف بالليل ، أدخل الهمزة والسين على اسم الفاعل ليصوّر لك شدة الطلب والبحث عن وسائل الاختباء والاختفاء المختلفة ، فضلا عن أن الليل بطبيعته ساتر ثم : سارب بالنهار ، كلمة تصور لك الشيء إذ يسرب على وجه الأرض بارزا ، فأنت تقول : سرب الماء ، أي سرى في سجيته على وجه الأرض متشعبا يبرق ويلمع . والكلمة ، زيادة على ما فيها من جمال التعبير تصوّر لك شدة وضوح هذا الإنسان وظهوره مقابل شدة اختفاء ذلك الآخر واستتاره ، تقريرا لتساويهما في إحاطة اللّه وعلمه . * أما الآية الرابعة فتأتي تأكيدا لما تضمنته الآية التي قبلها . فهي توضح أن اللّه عزّ وجلّ ليس مطّلعا فقط على الغيب والشهادة ، بل إن له ملائكة حفظة يتعاقبون على هذا المختبئ في تلافيف الظلام والسارب في وضح النهار ، من قبل اللّه عزّ وجلّ وبأمره ، يحيطون به رعاية وحفظا ويحصون أفعاله وأقواله كتابة وتسجيلا . فهذا هو معنى قوله عزّ وجلّ :
لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
. فالضمير في له عائد إلى اللّه عزّ وجلّ ، والمعقبات صفة للملائكة المحذوفة وهو جمع معقبة ، ومعقبة جمع معقب ، فالكلمة جمع الجمع ، والضمير في يديه عائد إلى الإنسان المفهوم من الآية السابقة ، والجار والمجرور في : من أمر اللّه متعلق بيحفظونه على أن من للسببية ، أي يحفظونه بسبب أمر اللّه لهم بذلك . ومع سياق الحديث عن رعاية اللّه للإنسان وحفظه له في غدوّه ورواحه ، تذكر الآية قاعدة جرت عليها سنّة اللّه في الكون : إن اللّه لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم . أي إن اللّه عزّ وجلّ لا يغيّر ما تلبّس بقوم من النعمة وما قد حفّ بهم من الرعاية التي وصفها ، حتى يغيروا ما قد استقر في نفوسهم من فطرة الاستقامة على الحق ، التي فطر اللّه الناس عليها ، فيجنحوا إلى نقائضها من الآثام والشرور . وإذا تأملت في صياغة هذه الجملة ودقة سبكها ووجيز ألفاظها مع شمول المعنى واتساعه رأيت من ذلك عجبا لا ينتهي إلا عندما تتذكر أنه بيان اللّه وكلامه المعجز .