تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣

فلسفة القرآن عن الكون والإنسان والحياة

في الوقت الذي يعتبر فيه القرآن معجزة اللغة العربية وبيانها ، وكتابا في التشريع والقانون ، ومعلّما للفضيلة والأخلاق - فإنه يحمل إلى الناس أسس حضارة إنسانية شاملة ، وذلك عن طريق المفهوم الذي يقدمه عن كلّ من الكون والإنسان والحياة ووجه التفاعل والتناسق بينها . ولن يتسع المجال في هذا المقام لشرح التقرير الذي يضعه القرآن عن كلّ من هذه العناصر الثلاثة للحضارة في كل زمان ومكان ، فإن من شأن ذلك أن يبعدنا عن الغرض الذي نحن بصدده ؛ ولكنا نتناول من هذا البحث القدر الذي يفي بحاجتنا للتعرّف على هذا الكتاب العظيم ، ويكشف لنا أهم خصائصه ومحتوياته .

نظرة القرآن إلى الكون :

القرآن يبصّر الإنسان بالكون الذي حوله على أنه جملة من المظاهر المخلوقة أبدعها اللّه عزّ وجلّ في انتظام وتناسق لغرضين اثنين : الأول : أن يتأمل الإنسان فيه ويتنبه إلى مدى دقته وتناسق نواحيه وأجزائه ، ليتوصل من ذلك إلى الإيمان بالخالق جلّ جلاله ، ثم إلى إدراك ألوهيته وربوبيته المطلقة ، ثم إلى إدراك أنه عبد لهذا الإله العظيم . وهو يقول في بيان هذا الأمر الأول :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ ، وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ
من روايع القرآن — صفحة 223 | محمد سعيد رمضان البوطي