أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ
« 1 » . وهذه الآية الثانية وإن كانت تحتمل معنى آخر هو جعلناكم تتوارثون عمارة الأرض وسكناها ، إلا أن كلا المعنيين صحيح ومراد كما قال المفسرون .
والإنسان في القرآن ، بعد هذا موصوف بصفتين : واحدة منهما لبيان أصله وحقيقته ، كي لا يطغيه شيء من صفاته التي تحدّثنا عنها ، ولا يتجاوز بها حدود عبوديته للّه عزّ وجلّ ، والثانية لبيان مركزه من هذا الكون كله ومستواه بين الخليفة أجمع .
ففي صدد بيان الصفة الأولى ، يقول اللّه عزّ وجلّ :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ
« 2 » ويقول :
أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ
« 3 » ويقول :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
« 4 » .
وفي صدد بيان الصفة الثانية يقول :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا
« 5 » .
والإنسان في القرآن ، أخيرا ، عبد اللّه ، خلق ليكون مظهرا لإلهية اللّه عزّ وجلّ . وما صفة الخلافة فيه وتكريمه على سائر المخلوقات وتسخير الكون له إلا وسيلة لأن يحقق عبوديته للّه تعالى بالكسب والممارسة والاختيار كما خلقه عبدا له بالجبر والاضطرار . وفي بيان ذلك يقول :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ
« 6 » .
هامش
( 1 ) النمل : 62 .
( 2 ) الطارق : 5 و 7 .
( 3 ) يس : 77 .
( 4 ) النحل : 78 .
( 5 ) الإسراء : 70 .
( 6 ) الذاريات : 46 و 47 .