وإلى أن يأتينا الكاتب بأيّ ثبت أو صورة ثبت من أي مصدر علمي يستر به سوأة كلمته العارية هذه ، نقول له : لعلّك يا هذا نمت نومة ثقيلة صعد فيها إلى دماغك سحاب مركوم من أبخرة معدتك أو أحقاد نفسك ، فحلمت أنك تسمر في مجلس المتنبي مسيلمة الكذاب وعن يمينه النبيّة الأخرى سجاح . وأخذت تسمع القرآن كلّ منهما ، حتى استفزك الطرب وتملكتك النشوة من جمال ما تسمع ، فصحوت وقد انطبع قرآنهما الكريم في خيالك ! . . . فعن ذلك القرآن جئت تقول هذا الذي تقول . ونعوذ باللّه من أبخرة تستقر من الرأس في مكان العقل ، فتجعل الرجل يفكر بالسمادير والأوهام بدلا من أن يفكر بالمنطق المشرق الصافي .
* * * وبعد ، فما هي الوثائق التاريخية التي تعرف بها أحداث الجزيرة العربية وأوضاعها في صدر الإسلام ؟
يجمع كل الباحثين على أن القرآن هو أول وثيقة في هذا الصدد . وما من باحث يدرس أحوال الجزيرة العربية في صدر الإسلام إلا ويضع القرآن أول مستند لدراسته وجمع معلوماته ، مهما كانت عقيدة هذا الباحث في مصدر القرآن وجوهره .
إذا . . . كيف يجمّع الباحث المؤرّخ معلوماته عن الجزيرة على ضوء القرآن وأبحاثه وطابعه ؛ حتى إذا وقف أمام أخباره عن الأمم الماضية وأحداثها ناقض نفسه قائلا : إن هذه الأخبار يعوزها السند التاريخي والميزان العلمي الصحيح ؟ ! .
سل جميع مؤرخي الشرق والغرب عن أول مصدر يعتمدون عليه في ما لهم من معلومات عن المسيح عليه الصلاة والسلام وعن موسى وخروجه من مصر واجتيازه ( تيه سيناء ) إلى فلسطين ، يجيبوك إنه : الكتب المقدسة .
أفتكون هذه الكتب مصدرا تاريخيا علميا نزيها ، ثم لا يكون القرآن واحدا من هذه المصادر على الأقل ؟ ! . .
إن الأمر في هذا يعود إلى واحدة من اثنتين :
من روايع القرآن — صفحة 207
مساهمون: محمد سعيد رمضان البوطي
ص٢٠٧