تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
ومن ذلك أن يمهد لها بعبارات يكشف فيها عن حكمة أحداثها وسبب وقائعها ، لتتجسد بذلك العبرة التي ينبغي أن تؤخذ منها ، حتى إذا تنبّه فكر القارئ إلى ذلك بدأ يسرد عليه القصة وهو متيقظ لمراميها ومكان الهداية منها وذلك كالأسلوب الذي مهّد به لقصة موسى وفرعون في أول سورة القصص . فقد ذكر اللّه جلّ جلاله بين يدي القصة هذه الآيات الممهدة :
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ ، وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ، إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ
« 1 » . المظهر السادس : العرض التمثيلي الذي يعتمد على إبراز المشاهد جليّة مشرقة أمام الناظر أو المتخيل ، ويطوي ما بينها من الروابط البدهية اعتمادا على سير المخيلة وتصورها . وأنت تعلم أن القصة إذا ما أريد عرضها بأسلوب تمثيلي حيّ ، فلا بدّ فيها من طيّ تلك الأحداث التي يقرضها الفكر والخيال بالبداهة ، بل إن القيمة الفنية للقصة وحيويتها تقلّ كثيرا إذا ما شغل فكر الناظر أو السامع بالحديث عن تلك الروابط وتبيانها . والقصة القرآنية قائمة على هذه السمة والنهج دائما مهما كانت القصة أو كان موضوعها . انظر مثلا إلى قصة نوح التي وردت في سورة هود ، وانتبه إلى قوله عزّ وجلّ فيها :
وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ ، فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ . وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ . . .
« 2 » . فأنت تجد نفسك في أول هذه الآيات أمام الإخبار الإلهي الذي ينزل على
هامش
( 1 ) القصص : 3 و 4 و 5 . ( 2 ) هود : 36 - 37 - 38 .