تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
أن تعود إلى ما كتبه المرحوم سيد قطب في ذلك في كتابه « التصوير الفني في القرآن » . المظهر الخامس : التنويع في الاستهلال بالقصة ووضع المدخل إليها ، وأنت تعلم أن أهم مظاهر التشويق في القصة ينبغي أن يكون متجمعا وبارزا في أولها ، حتى يندفع القارئ بذلك إلى المضي في استطلاعها والتأمل في مختلف مراحلها . فالقصة في القرآن ، تبدأ في كثير من الأحيان ، بأغرب مشهد يلفت النظر فيها ، حتى إذا أثار ذلك انتباه القارئ ، انطلق البيان القرآني في عرض سائر مشاهدها المتلاحقة ، وقد يكون هذا المشهد الذي أقيم في مدخل القصة ، متأخرا من حيث سلسلة الوقائع والأحداث المتلاحقة فيها ، فيعمد البيان القرآني العظيم إلى استدراك ما تركه من قبل ، ويعرضه خلال القصة بمناسبة ما ، وفي إطار يزيد من جمال العرض وروعته . ولنقرأ - مثالا لذلك - قصة موسى وفرعون في أول سورة طه . انظر إلى هذا المشهد الذي افتتح به مدخلا للقصة :
وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً
« 1 » . لا ريب أنه كما ترى ، مشهد يلفت النظر ويبعث على الانتباه والتطلّع إلى ما وراءه . ولكن البداءة به فوّتت - كما ترى - على القارئ معرفة ما سبق ذلك من الأحداث ؛ فيستدركها البيان القرآني في ثنايا العرض ويصوّرها للقارئ وكأنها قصة ضمن قصة . وانظر كيف حانت المناسبة ، وكيف عادت القصة إلى عرض الأحداث من أولها بمناسبة معينة . فعند ما ذهب موسى إلى حيث رأى النار المشتعلة ، سمع هناك نداء اللّه عزّ وجلّ يكلّمه ويضعه أمام مسؤولية الرسالة التي سيكلف بها ،
هامش
( 1 ) طه : 7 .
من روايع القرآن — صفحة 200 | محمد سعيد رمضان البوطي