تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
تفصيليا تضمن حياة يوسف وتاريخها منذ طفولته إلى وفاته ، وإنك لتجد في عرضها كثيرا من الصور الجزئية يتناولها القرآن بالكشف عنها ، مما لا تكاد تجده في عرض القصص الأخرى . والمقصود من ذلك تنبيه الأذهان إلى الوحي الذي يؤيّد به الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيطلعه على ما لم يكن يعرف من قبل . ومن قبيل الثاني قصة مريم في سورة آل عمران ، وقصة ولادة عيسى عليه الصلاة والسلام في سورة مريم . ففي كلّ من السورتين سرد تفصيلي للقصة وسير طبيعي مع مراحلها الواقعية ، وكشف لمختلف الجوانب المتعلقة بها ، إذ الغرض من عرض القصتين تصحيح ما ادّعاه بعض أهل الكتاب من بنوّة عيسى بن مريم للّه عزّ وجلّ ، فاقتضى ذلك عرض حقيقة الواقعة عرضا مفصّلا شافيا يزيل الغموض والإشكال ويكشف بطلان ما توهمه بعض الناس . المظهر الثالث : إقحام النصائح والعظات في ثنايا القصة ، وهو مظهر عام يشمل شتى الموضوعات القرآنية كما أوضحنا فيما مضى . فالقرآن لا يدع القارئ يندمج مع موضوع من مواضيعه وينصرف إليه بكل تفكيره ، دون أن يفصل بين أجزائه بفواصل من العظات تنبهه إلى المقصود من كل هذه المباحث ، وتربط على قلبه برباط من الخشية والمراقبة الإلهية عند قراءتها والتأمّل فيها . فمن أجل ذلك لم تكن في القرآن فصول خاصة في التشريع ، وفصول خاصة في سرد المغيبات من جنة ونار وما يتعلق بهما . وقد أوضحنا هذا عند الحديث عن خصائص الأسلوب القرآني فارجع إليه إن شئت . ولنضع أمامك الآن بعض الأمثلة لدمج عبارات الموعظة والتذكير بخشية اللّه في ثنايا القصة وخلال سردها . يقول اللّه تعالى في سورة طه ، أثناء عرضه لقصة موسى مع فرعون :
قالَ فَمَنْ - رَبُّكُما يا مُوسى ، قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ، قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى ، قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ
من روايع القرآن — صفحة 198 | محمد سعيد رمضان البوطي