والكفر ، وأنهم من أجل ذلك عزموا على أن يعتزلوهم ويخرجوا من بينهم . ثم تمضي القصة على هذا المنوال .
فمن هم هؤلاء القوم ؟ وفي أي بلدة كانوا يسكنون ؟ وكم كان عدد هؤلاء الفتية ؟ وما هي أسماؤهم ؟
هذه أسئلة كان من مقتضى السرد التاريخي أن تجيب القصة عنها ، ولكنها لو أوضحت ذلك وسارت في تتمتها على هذه الطريقة لما وفت بالغرض الديني الذي تستهدفه ، ولانصرف فكر القارئ إلى تتبّع أحداث تاريخية يريد أن يعرفها ، ولغفل بذلك عن العبرة والعظة التي سيقت القصة من أجلهما .
وعندما يقصّ علينا القرآن قصة خلق آدم ، وسكناه في الجنة ثم نزوله إلى الأرض ، لا يتحدث عن وصف نزوله إلى الأرض وحياته فيها بأكثر من قوله :
قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ، فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى
« 1 » .
ففي أي مكان من الأرض نزل ؟ وكيف كانت معيشته وسكناه إذ ذاك ؟
إن الإجابة على مثل هذه الاستيضاحات ، وإن كانت مما يتشوف إليه الفكر ، من شأنها أن تقصي القارئ عن الانتباه إلى المقصود من سرد القصة . فحسبه ، لكي لا يشتّ ذهنه وراء الأحداث التاريخية ، أن يعلم من القصة ما يحمله على الانصياع للمقصد الديني الذي تنطوي عليه .
ولكن ربما اقتضى الغرض في بعض الأحيان أن تسرد القصة من أولها إلى آخرها ، وأن يسير البيان القرآني في عرضها بأسلوب يتتبع سلسلة الوقائع والأحداث مع التعرّض لبيان كثير من جزئيات القصة التي لا تكاد تنطوي في الظاهر على عبرة أو فائدة توجيهية . وذلك عندما يكون الغرض الرئيسي هو إثبات الوحي الإلهي وتأكيد نبوّة الرسول عليه الصلاة والسلام ، أو عندما يكون الغرض تصحيح قصة أو حادثة تاريخية وقع فيها خلط أو لغو .
فمن قبيل الأول ، قصة يوسف عليه السلام ، فقد عرضت عرضا
هامش
( 1 ) طه : 123 .