تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
ولكن الكاتب الذي فعل هذا ، شاقه أن يخلد سخافة صاحب « في الشعر الجاهلي » عسى أن يطبّل الناس له ، كما قد طبّلوا لذاك ، سواء جاء ذلك التطبيل ضربا على القفا أو صفعا من الأمام ، ما دام أنه تطبيل يذهب بالصيت ويشهره بين عامة الناس . وبعد ، فأحسب أنني لست بحاجة إلى أن أطيل في عرض النماذج من أمثلة القرآن . فالاستقصاء عسير ، والنموذج يكتفي فيه بأقلّ مما أوردناه . والغرض أن تدرك من وراء هذا الذي ذكرناه مدى أهمية الأمثلة في كتاب اللّه تعالى ، وقد أفردها بالتأليف الإمام أبو الحسن الماوردي ( 364 - 450 ) وأن تتنبه إلى أن جانبا كبيرا من الإعجاز القرآني إنما يطلّ من هذه الأمثال من ناحيتي الأسلوب والمضمون ، وأن تعلم بأن المعنى مهما ألبس ثوبا مطرزا من البيان والإشراق ، فإنه يظل بعيدا عن مرأى العين والخيال حتى يتجسد في مثال مما يمسّه الحسّ والشعور . ولأضع أمامك تحقيقا لهذا الحق وخاتمة لهذا البحث ، وهو خلاصة ما قاله الشيخ عبد القاهر الجرجاني في هذا المقام : [ واعلم أن ما اتفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو أبرزت هي باختصار في معرضه ، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته ، كساها أبّهة ، وكسبها منقبة ، ورفع من أقدارها وشبّ من نارها . . . فإن كان مدحا كان أبهى وأفخم . . . وإن كان اعتذارا كان إلى القبول أقرب وللقلوب أخلب ، وإن كان وعظا كان أشفى للصدر وأدعى إلى الفكر . . . وإن أردت أن تعرف ذلك ، فانظر إلى قول البحتري :
دان على أيدي العفاة وشاسع * عن كل يد في الندى وضريب كالبدر أفرط في العلو وضوؤه * للعصبة السارين جدّ قريب
وفكّر في حالك وحال المعنى معك ، وأنت في البيت الأول لم تنته إلى الثاني ولم تتدبر نصرته إياه وتمثيله له فيما يملي على الإنسان عيناه ويؤدي إليه